مع اقتراب امتحانات البكالوريا، يتجدد النقاش حول الأوائل والمعدلات وكأن النجاح يختزل في رقم أو ترتيب. هذا التركيز المفرط يثير مخاوف من أثره النفسي على باقي التلاميذ، ويغيب معه النقاش الأعمق حول معنى التفوق الحقيقي. ويحاول الكاتب بقلم، ع.العزيز سنهجي من خلال هذه المقالة إبراز أن النجاح لا يقاس فقط بالمعدل، بل بالمثابرة، تنمية القدرات، وبناء مشروع حياة متوازن يخدم الفرد والمجتمع.
بقلم، ع.العزيز سنهجي
كل سنة، ومع اقتراب امتحانات البكالوريا، أجدني لا أنظر بعين الرضا إلى هذا الاندفاع نحو تصنيف المتعلمين وفق معدلاتهم وأرقامهم، كما أجدني متحفظا إزاء ما يرافق ذلك من صخب ونقاشات حادة على منصات التواصل الاجتماعي حول الأوائل والمراتب، وما قد يترتب عنها من ضغط رمزي وإعلامي كبير. وغالبا ما يقودني هذا المشهد إلى التساؤل عن الأثر غير المرئي الذي قد يخلفه هذا الاحتفاء المبالغ فيه احيانا لدى باقي التلاميذ، حيث يمكن أن يتسلل إليهم شعور بالإحباط أو التقليل من الذات، رغم أن مسارات النجاح متعددة ومختلفة بطبيعتها...
ومع اقتراب امتحانات البكالوريا، يعود الحديث كل سنة عن المعدلات المرتفعة، والأوائل، والترتيب، ونسب النجاح، وكأن قيمة المتعلم تختزل في رقم يحصل عليه في نهاية مساره الدراسي. وتتحول نتائج الامتحانات إلى حدث إعلامي واجتماعي كبير، تتصدر فيه أسماء أصحاب أعلى المعدلات واجهات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، بينما يغيب النقاش حول سؤال أكثر أهمية: هل يعكس المعدل وحده حقيقة النجاح والتفوق؟
هذا السؤال يقودنا إلى ملاحظة لافتة، وهي أن كثيرا من الدول المتقدمة لا تحتفل بشكل مبالغ فيه بأصحاب أعلى المعدلات، ولا تجعل منهم أبطالا أو نجوما موسميين. وليس السبب أنها لا تقدر الاجتهاد أو لا تعترف بالتميز، بل لأن فلسفتها التربوية تقوم على رؤية أوسع للنجاح ولأدوار المدرسة في إعداد الإنسان.
في هذه الدول، لا يعتبر المعدل المعيار الوحيد للحكم على المتعلم. فالتعليم لا يهدف فقط إلى تحصيل المعرفة واجتياز الاختبارات، بل إلى تنمية مجموعة من الكفايات والقدرات التي يحتاجها الفرد في حياته الشخصية والمهنية. لذلك يتم الاهتمام بالتفكير النقدي، والقدرة على حل المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل، والإبداع، والذكاء العاطفي، بقدر الاهتمام بالمعارف الأكاديمية. ومن ثم يصبح النجاح مسارا متكاملا لا مجرد نتيجة رقمية في نهاية السنة الدراسية.
كما أن المجتمعات المتقدمة تدرك أن المبالغة في الاحتفاء بالأوائل قد تخلق ضغوطا نفسية غير صحية لدى عدد كبير من التلاميذ. فعندما يتم التركيز على فئة محدودة باعتبارها النموذج الوحيد للنجاح، يشعر الآخرون بالإحباط أو بالفشل، رغم أنهم قد يمتلكون قدرات ومواهب مختلفة لا تقيسها الامتحانات التقليدية. ولهذا السبب تميل هذه المجتمعات إلى ترسيخ ثقافة التقدير المستمر للمجهود والتقدم الفردي، بدل ثقافة المقارنة والفرز والتصنيف.
ومن المبادئ التي تميز هذه الأنظمة أيضا الإيمان بأن لكل متعلم مساره الخاص في تحقيق الذات. فليس الجميع مطالبين بالسير في الاتجاه نفسه أو الوصول إلى الأهداف نفسها. فهناك من يجد نجاحه في الدراسات الجامعية، وهناك من يحققه في التكوين المهني أو في المقاولة أو في المهن التقنية والفنية والحرفية... ولذلك لا ينظر إلى المتعلمين باعتبارهم متنافسين على مرتبة واحدة، بل باعتبارهم أفرادا يبنون مشاريع حياة مختلفة ومتكاملة.
وتنعكس هذه الفلسفة كذلك على طبيعة التقويم والامتحانات. ففي كثير من الأنظمة التعليمية المتقدمة، يتم التركيز على قياس الفهم والتحليل والقدرة على توظيف المعارف، أكثر من التركيز على الحفظ والاستظهار التي تضخم من لحظة الامتحان، وتنمي من سلوكات الغش. لذلك تكون الفوارق بين النتائج أكثر اعتدالا، ويصبح التميز الأكاديمي أمرا طبيعيا لا يستدعي تحويل صاحبه إلى نجم إعلامي أو رمز وحيد للنجاح.
ويرتبط ذلك أيضا بقيم ثقافية أعمق، تقوم على التواضع والعمل الجماعي أكثر من تمجيد الإنجاز الفردي. فالتقدم في المجتمع الحديث لم يعد نتاج عبقرية فرد واحد، بل ثمرة تعاون فرق ومؤسسات وشبكات من المتدخلين والكفاءات. ولهذا يتم تشجيع روح التعاون والمشاركة إلى جانب تشجيع الاجتهاد الشخصي.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك التجربة الفنلندية التي تعد من بين أكثر التجارب التعليمية نجاحا في العالم. فالنظام التعليمي هناك لا يقوم على المنافسة الحادة بين التلاميذ، ولا على تصنيفهم بشكل مستمر، بل يركز على جودة التعلمات وتكافؤ الفرص وبناء شخصية المتعلم. ولذلك لا يشكل الإعلان عن الأوائل أو الاحتفاء الإعلامي بالمعدلات المرتفعة جزءا أساسيا من الثقافة التربوية السائدة.
إن هذه الممارسات لا تعني التقليل من قيمة التفوق الدراسي أو من أهمية الاجتهاد والتميز، بل تعني فقط رفض اختزال النجاح في رقم أو معدل. فالمتعلم المتفوق يستحق التقدير والتشجيع، لكن النجاح الحقيقي يظل أوسع من ذلك بكثير. إنه القدرة على بناء مشروع حياة متوازن، واكتشاف القدرات الذاتية، والإسهام الإيجابي في المجتمع.
وبينما نستعد لاستحقاق البكالوريا، قد يكون من المفيد أن نحتفي بالمثابرة قبل النتيجة، وبالمجهود قبل المعدل، وبالتقدم الشخصي قبل الترتيب. فالبكالوريا محطة مهمة في حياة المتعلم، لكنها ليست نهاية الطريق، كما أن المعدل المرتفع ليس وحده من يصنع مستقبلا ناجحا. النجاح الحقيقي هو أن يجد كل شاب وشابة المجال الذي يحقق فيه ذاته، ويوظف فيه قدراته لخدمة نفسه ومجتمعه.