بقلم : مسعود زاهد ( * )
إن الحديث عن الإصلاح المجتمعي لا يفارق ارض الإصلاح التربوي ، وهو ما تكرس من خلال هذه الألفية الثالثة فالموارد البشرية أصبحت أساسية لأي تنمية مستدامة ، كما أن الوقوف على تجارب الأمم تبين إلى أي حد تصح هذه المقاربة بدءا من دول شرق آسيا وصولا إلى أمريكا اللاتينية ، غير أن الإصلاح ليس مجرد قرار سيادي بل هو عمل منظوماتي و بنيوي يقوم على دعامات بيداغوجية وإجراءات ديداكتيكية تبدأ برؤية إستراتيجية ولا تنتهي عند الممارسة الفصلية : فكيف لنا أن نعيد التعاقد على مشروع اجتماعي يعطي الأولوية للتربية والتكوين ؟ وما هي الدعامات والأطر والاختيارات العامة الكفيلة بأجرأة هذه السياسات ؟ وكيف لهذا الإصلاح أن يحمل مقاربات بيداغوجية معاصرة توظف آخر ما توصل إليه في مجال العلوم التربوية والاجتماعية والنفسية ؟ وكيف للأستاذ كممارس أن ينوع عدته الديداكتيكية ويكيفها مع حاجات المتعلم ؟ وهل هذه المقدمات وحدها كافية للإقلاع التربوي أم إن القومة الحقة تتأتى من إشراك المتعلم وجعله يشبع حاجاته ويرتقي بقدراته ومهاراته؟
إذا كان الإصلاح في جوهره تغييرا ، فإن هذا التغيير حامل لسيرورة ومنطق تاريخي قد يبنى في لحظات على القطائع في أهدافه ويراهن على المواكبة الكمية القابلة لأن تتحول إلى تراكم كيفي ، وبإسقاط هذا الكلام على التجربة المغربية نجدها قبيل الاستقلال راهنت على تجذير الإحساس بالهوية الوطنية من خلال رسم مبادئ عامة لسياستها التربوية (التعميم / التوحيد / التعريب / المغربة ) وهي مبادئ قائمة على الرغبة في بناء وطن يحتضن الجميع ويشعر بالعدالة والمساواة ويعيد لشعبه الإحساس بالانتماء . غير أن التحديات الماكروقتصادية والجيوسياسية فرضت خلال فترة الثمانينيات إصلاحات هيكلية مبنية على املاءات وتحكمات لم تراع أي اعتبار تربوي ، فكانت الاختيارات مبنية على حسابا ت خارج المنظومة التربوية . فترتبت عنها تراجعات خطيرة كانت آثارها السلبية الارتكاسية قد بدأت في الاتضاح مع بداية التسعينيات ونهاية الألفية الثانية .
جاء الميثاق الوطني للتربية والتكوين فاتحة جادة نحو إصلاح حقيقي وشمولي حامل لرؤية نسقية ومؤسسة على قواعد علمية مجربة ، رصدت له ميزانية محترمة بل اعتبرت حينها قضية التربية والتكوين القضية الثانية بعد الوحدة الترابية . فرسمت السياسات العامة مع الكتاب الأبيض أجرأة هذه السياسات في دعامات الميثاق من أجل مجتمع مغربي تنافسي وعصري مبني على أساس الهوية الوطنية ويحمل رهانات العالمية في افق مدرسة المعرفة المستدامة تجعل التعليم في خدمة التنمية في
استجابة مباشرة لحاجات السوق وفي مسايرة لإيقاعات الاقتصاديات العالمية . ومع مرور خمسة عشر سنة على الميثاق كان من الضروري مراجعة تقويمية لمساره وهي ما يؤهل لاستثمار الايجابيات ومحاصرة البياضات والإخفاقات ،ومع ذلك اقتضت وتيرة الإصلاح العمل على الدفع بالبرنامج الاستعجالي لتصحيح المسار وشحذ الامكانات بشكل اكبر واكثر عمقا . فتمت الدعوة إلى الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015 – 2030 وما تحمله من رهانات جديدة ، تمت الدعوة إلى تقاسمها مع المعنيين من خلال ( الإجراءات ذات الأولوية )والتي تهدف في رؤيتها العامة إلى جعل المنظومة التربوية المغربية تستجيب للمقاييس العالمية وتكوين أكثر مرونة وقرب من المجال العلمي الاقتصادي من اجل تنمية تراهن بالضرورة على الرفع من كفاءة أفراد المجتمع ، فكيف تمت أجرأة هذه الرؤية الجديدة ؟
كان للهندسة الجديدة بين الأقطاب العامة والتقنية والأصيلة أثر ايجابي من خلال ضمان الجسور للمرور بين المعرفة العامة النظرية والإجراءات العملية من خلال التركيب بين مجال التكوين المهني والتعليم المدرسي منذ المستويات النهائية للتعليم الابتدائي ، مع توطيدها خلال التعليم الإعدادي والثانوي
لأن الخيارات التي تحفزها الدولة تتجه نحو تكريس التوجه العلمي والتقني من خلال تشجيع الولوجيات وتحفيز الالتحاق بالشعب التقنية والمعاهد المتخصصة ، إن المراهنة على التكوين العلمي دفع لبناء شراكات مع الفاعيلن الاقتصاديين وهو ما يكرس انفتاح المؤسسة على فضائها وتدخل هذه المجالس البلدية كشريك استراتيجي فيما نسميه بالحكامة التدبيرية والتي تصل في الجامعة إلى تشجيع البحث العلمي في المجالات التي تستثمربها الجهة ( الفوسفاط / الصناعة المتطورة / الطاقات المتجددة ..) وهو ما يكرس مشروع الجهوية الموسعة والتضامن بين الجهات .. فالخيار العام على مستوى هندسة تسيير يتجه نحو المهننة وتكوين أفراد حاملين لكفاءات ومهارات قابلة للاستدماج في سوق الشغل ، وهي حاملة لرأسمال مهاراتي ، مما يبرر نجاعة الاختيار البيداغوجي للدولة مع بداية الميثاق القائم على إستراتيجية بيداغوجيا الكفايات .ز فكيف للاختيارات البيداغوجية والتربوية المعاصرة أن تكون عدة نظرية تؤهل بيداغوجيا الكفايات كي تمارس باستبصار ؟
القطيعة التي أحدثتها البيداغوجيا المعاصرة هي الانتقال من مفهوم التلميذ إلى مفهوم المتعلم ، أي من بيداغوجيا المعرفة المؤسساتية إلى بيداغوجيا اللاتوجيه والتربية على الاختيار والقدرة على التعلم الذاتي ، فالمدرس عليه أن يصير ميسرا لا يركز على تعليم المعرفة بل بناء القدرات من خلال تحفيز الأفراد على التعبير عن حاجاتهم ورغباتهم لأن التعلمات التي تبقى هي التي تبنى عبر المشاركة فكان لبيداغوجيا المشروع موقع مهم يجعل الأفراد يساهمون في التخطيط لتعلماتهم وإعداد أهدافها ورسم عددها وأدواتها ، فالتقويم لم يعد بيد المدرس وإنما أضحى نتيجة عمل تشاركي يكون الفيصل فيه المشروع ومدى قدرتنا على تطبيقه لحل الوضعيات المشكل الباعثة على ظهوره . فالاختيار السوسيومعرفي حاضر بقوة لان التعلمات الحقيقية تبقى داخل الجماعة في استجابة لما يؤرقها ، فلكي نتعلم يجب أن تكون هناك حاجة تدفعنا الى الممارسة والإنتاج ، فيكون للمعرفة طابع وجداني وإجرائي ومهاراتي ، فإلى أي حد يمكن الأخذ بنظرية الذكاءات المتعددة والبنائية المعرفية والسوسيومعرفية كنظريات تغذي فهمنا وتؤجرئ بيداغوجيا الكفايات ؟
خلال فترة الثمانينات اشتغل أنطونيو غيدنز على إمكانية التفريق عند المتعلمين بين أنواع مختلفة من الذكاءات فأوصلها إلى ثمانية مع إمكانية إضافة تاسع عندما تثبته العلوم التشريحية للدماغ ، فكل مستوى داخل المخ هو مسؤول عن مهارة ، وذلك ما ثبته عالم التشريح الفرنسي إيبولايت فمن يصاب بصدمة في الشق الأيمن من المخ يبقى قادرا على القراءة دون فهم ما يقرأ ، أما من أصيب في الشق الأيسر الأمامي فهو يفهم دون أن يستطيع القدرة على القراءة .. والخلاصة هناك أن الذكاء الموسيقي والرياضي والعاطفي والوجودي مع العجز عن اعتبار طريقة واحدة في التعليم تناسب الجميع ، لذا وجب اعتماد بيداغوجيا فارقية تستند إلى أن بينية التعلمات تختلف من شخص لآخر حسب سيرورة بنياه الذهنية التعلمية ، وهو ما أكده جون بياجي عند نفس الفرد ، ففي السنتين الأوليتين نتحدث عن ذكاء حركي حسي ، أما قبل سن السادسة الذكاء الماقبل إجرائي ، وحتى الثانية عشرة الذكاء العلمي المشخص ، وقبل السادسة عشرة الذكاء المجرد الصوري .. وهي بنيات تجعل التعلمات في سيرورة
انبنائية ، يمكن ان تفهم في سياق اعم بتوظيف نظرية الذكاءات ، ولا مجال للحديث عن معامل الذكاء الذي جاءت به البيداغوجيا التقليدية مع بينه في دراسته للذاكرة والذكاء سنة 1895، بل إن استحضار السوسيومعرفي مع كل من ألبير بونديرا سنة 1925 ومع البنائية الاجتماعية مع ليفي بيجوتسكي 1834-1896) يمكن من إدراك مركزية العمل بالمجموعات المهنية المصغرة أو العمل بمشروع لما في ذلك من تعاط مع سيرورة كل مجموعة حسب بنية تعلماتها وحسب نمط ذكائها وحاجاتها ، وفي ذلك استثمار لدينامية الجماعات وما توظفه من قياسات سوسيومترية تعطي مؤشرات موضوعية على درجة تقدم العمل داخل المجموعة ومستوى تفاعلها في أفق تحقيق ما تصبو إليه ، وهو ما يحتاج من المدرس وعيا قبليا بنوع المتعلمين وإدخالهم في سيرورات تعلمية تحفز تعلماتهم بنوع من الاستبصار القادر على تحفيز التعلم الذاتي ، وهو ما يجعله محللا نفسيا أكثر منه مدرسا . هنا يطرح الهم الديداكتيكي للمدرس من خلال التساؤل : ما هي العدة الديداكتيكية الملائمة لهذا النمط من الاشتغال ؟
إذا كانت البيداغوجيا فن القيادة للانتقال من الطبيعي إلى الثقافي ، فإن الديداكتيك فن وعلم التدريس ، وبما أننا أمام جيل الصورة ( سيبرنتيك ) ، فإن تطوير العدة المنهجية أصبح أحد مقومات العمل للمدرس . مما يتطلب اشتغالا قبليا على تصورات ناظمة ومتنوعة ومحفزة ، مبنية على تخطيط يرسم ملامح التعلمات وتشحذ لها الأدوات الديداكتيكية الكفيلة بأجرأتها لذلك قيل " التعلم الصعب على المتعلم سهل على المدرس ، والتعلم السهل على المدرس صعب على المتمدرس " . فالتخطيط الديداكتيكي للدرس يجب ان ينطلق من تشريح وضعيات معيشة كمدخل يحفز الرغبة في التعلم ، فالوضعية المشكلة أداة مركزية في بيداغوجيا الكفاية ، غير أن بناء وضعيات تعليمية يحتاج إلى تمرس وتشارك وتعاون يجعل المدرس قادرا على تبيئة التعلمات من خلال ملاحظة الوضعية ثم صياغة التمثلات وبعدها فحص الأكثر ملاءمة ثم بناء فرضيات نحاول عبر بروتوكول التحقق من صحتها من خلال العمل الفصلي .
هنا يظهر الاختلاف بين مهنية الأساتذة ، بل إن طبيعة المواد تكون حاسمة في رسم مخطط يكون على مركزية المتعلم في بناء التعلمات – تعلم التعلم - ، هذا النمط من التدريس يجعل المعرفة تتحول إلى قدرة على حل كل الوضعيات الحياتية المستقبلية بالمماثلة بينها وبين وضعيات تعلمية سابقة – التعلم بالمماثلة – فنكون أمام متعلم مواطن فاعل قادر على المبادرة والخلق يجسد معنى التنمية المستدامة ومجتمع المعرفة . فالمراهنة على القدرات والكفايات والمهارات حاسمة في رسم ملامح مجتمع قوي بموارده البشرية .
يمكننا الوقوف على أهمية التعليم كقاطرة تجعل المجتمع يرتقي بأفراده إلى تنشئة اجتماعية فاعلة ومتوازنة ومستدامة ، غير أن هذا الاختيار لا يأتي فقط من املاءات آو سياسات عامة فقط ، ، بل هو مشروع مجتمعي تشاركي مبني على تعاقد ضمني يتفاعل داخل كل المجتمع من الأسرة والمدرسة إلى المقاولة والمجالس والجهات .فهل وصلنا إلى وعي يؤهلنا فعلا للانخراط في إصلاح اجتماعي تربوي حقيقي؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( * ) أستاذ الفلسفة بالثانوية التأهيلية الوحدة بتزنيت
profzahid [email protected] البريد الالكتروني :
3/3