في مقاله المعنون «المنظومة التعليمية وسؤال التربية على القيم.. هل هي أزمة ضعف المناهج أم انعكاس لأزمة قيم مجتمعية؟»، يقدم الكاتب محمد بادرة قراءة نقدية عميقة لأزمة القيم داخل المدرسة المغربية، متسائلًا إن كانت جذورها تربوية أم اجتماعية.
يرى بادرة أن ضعف المردودية التعليمية وتراجع التحصيل الدراسي والهدر المدرسي ساهمت في ترسيخ قيم سلبية داخل المؤسسات، مما أفقد المدرسة دورها في بناء المواطن المتوازن والمبدع. ويؤكد أن التربية على القيم ليست مجرد شعارات أو مفاهيم نظرية، بل هي جوهر الفعل التربوي الذي يجب أن يُفعّل عبر المناهج والكتب المدرسية والحياة المدرسية، لتصبح المدرسة فضاءً لترسيخ قيم المواطنة، التسامح، والنزاهة، بدل أن تكون مرآة لأزمات المجتمع.
محمد بادرة
كثيرة هي الاشكالات التي تتخبط فيها المنظومة التعليمية ببلادنا والتي تتعدد لتؤلف واقعا موسوما بكثير من الغموض والتناقض ومن التعقيد والتركيب ولعل من بينها ضعف المردودية الداخلية أو الكفاية الداخلية للنظام التعليمي والتي تتجلى في ارتفاع نسبة الهدر المدرسي والرسوب والتكرار وتراجع مستوى التحصيل الدراسي للمتعلمين والفشل في ربط التعليم بمحيطه أي معضلة اللاتطابق بين مخرجات أنظمة التعليم والتكوين وبين قطاعات الشغل والاقتصاد والمجالات الانتاجية والاجتماعية العامة.
وارتباطا بهذه الاختلالات الكبرى في القطاع فإنها قد ساعدت على تعزيز القيم السلبية مما أفقد المؤسسة التعليمية وهجها وقدرتها على التغيير وتحقيق التنمية البشرية المنشودة وكان من نتيجة ذلك بروز أجيال تحتقر العلم والتعليم والمعرفة والثقافة والفن والابداع والابتكار، وغياب المنافسة الشريفة، واستبدالها بقيم مناقضة وهدامة ومنها الاحتيال والغش في الامتحانات، وتفشت مظاهر سلبية مشينة تخدش القيم الاخلاقية المجتمعية كانتشار التدخين واستهلاك المخدرات بالمؤسسات التعليمية وبروز أشكال من العنف الرقمي الى جانب العنف اللفظي والجسدي فأصبحت المدرسة المغربية فضاء رحبا لإنتاج وممارسة العنف من طرف التلاميذ على بعضهم البعض وعلى الأطر الإدارية والتربوية.. هو جيل هجين تشكلت أذواقه واتجاهاته وقيمه وسلوكياته في اتجاه تدمير الذات والطاقات والامكانات المستقبلية فاستقال من معركة التنمية وعاش خارج تاريخه.. هو جيل ضائع فقد الثقة في المؤسسة التعليمية وتحلل من مقومات الهوية الدينية والحضارية حتى انهارت صورة المؤسسة التعليمية ودورها في الحراك الاجتماعي بما تعنيه من ترقي اجتماعي ورمزي.
فما هي معالم التصور التربوي للقيم في نظامنا التعليمي؟ وكيف تحضر القيم في المناهج الدراسية؟ وما هي مكانة القيم التربوية: قيم المواطنة والنزاهة، والمشاركة المجتمعية ضمن المرجعيات التربوية المؤطرة للنظام التعليمي بالمغرب؟ كيف وهل تساهم المناهج والكتب المدرسية في غرس القيم الانسانية وتعزيز الهوية الثقافية ونقل الموروث القيمي؟
القيم أساسية وجوهرية في التربية والتعليم بل تعتبر روح العمل التربوي والأساس الذي يبنى عليه النظام التربوي باختياراته ورهاناته من أجل تربية وطنية مجتمعية تعزز السياسة القيمية في منظومة تعليمنا كالتمسك بمقومات الهوية والانتماء والتسامح والانفتاح على المحيط وعلى الآخر.. وحيث لا وجود لتربية حقيقية بدون قيم وهي تشكل الاطار المرجعي لتوجيه سلوكيات المتعلمين في بناء شخصياتهم المتوازنة وحمايتهم من الانحراف وضمان عيش مشترك آمن.
ان مجتمعنا المغربي كما يقول الأستاذ احمد بوكوس (تهيكله قيم ومعتقدات ومسلكيات وعقليات مختلفة وغير متجانسة وهي مع ذلك تتساكن وتتعايش داخل المجتمع المغربي وداخل المجموعات المكونة له وفي باطن الأفراد أنفسهم) مجلة عالم التربية العدد 21 ص10. ولذا فان رهان المدرسة المعاصرة هو "مساءلة هذه القيم السائدة والمتعايشة داخل المجتمع المغربي وفحصها تحت قوة العقل والتفعيل التربوي للروح النقدية" كما أن هذه القيم وكما جاء على لسان بوكوس (هي نتاج الجدلية التاريخية، وهي غير مطلقة بل نسبية..) ومن تم كان رهان المدرسة المعاصرة تنمية الحس النقدي تجاه الأفكار والقيم مما سيمكّن أجيالنا المتعلمة من تجاوز القيم "السلبية" بالنقد والابداع والابتكار.
اليوم والى الأمس القريب فقدت مدرستنا المغربية اشعاعها ودورها في تشكيل الروح النقدية للمتعلمين ردّا على انتشار "القيم الفاسدة" و"القيم التامرية" التي تغزو شبكات الأنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي حتى أنه لم تعد التربية على قيم حقوق الانسان والتربية على قيم المواطنة والتسامح والتفتح على الآخر والتمسك بمقومات الهوية المغربية وكل أشكال السلوك المدني.. لم تعد اليوم قيما أساسية بعد أن فقدت دلالتها العميقة وتحولت الى مجرد مفاهيم عامة غير ذات صلة مباشرة بالحياة المجتمعية وبالفرد بل التشكيك في جدوى هذه القيم وقيمتها والتنكر لعقود طويلة من العمل والاجتهاد التربوي من اجل اقرارها، ومن أسباب الخلل الذي يعرفه الخطاب القيمي في نظامنا التعليمي :
- عدم القدرة على تمكين هذه المفاهيم القيمية من أن تكون فاعلة في حياة المتعلمين.
- غياب سياسة قيمية تربوية جادة وعدم القدرة على التعبئة من أجل انجاحها.
- التعامل السطحي والمناسباتي مع القيم ومفاهيمها الاجرائية كاستعراض تمثلاتها في بعض المناسبات الوطنية والدينية والدولية.
يعد الكتاب المدرسي أهم وسيط معرفي في مؤسساتنا التعليمية وأثره العملي على سلوكيات المتعلمين ما يزال محدودا لغياب الرؤية الشمولية في صياغة منظومة قيم متكاملة ثقافيا وحضاريا وأخلاقيا وانسانيا، كما أن مضامين الكتاب المدرسي تعرض هذه القيم كمفاهيم مجردة لا كنهج وأسلوب في التفكير والعيش، ويحتوي الكتاب المدرسي مجموعة من القيم المتداخلة(غربية _مشرقية_ دينية_ مدنية..) مما يقودها أحيانا الى التناقض حيث تتجاور وتتصارع القيم المحلية والوطنية والاقليمية والعالمية دون مراعاة مدى انسجامها، اضافة الى أن درجة الانسجام بين طرق التدريس ومحتويات التربية على حقوق الانسان وقيم المواطنة (مثلا) تبدو ضعيفة ذلك ان طبيعة ثقافة التربية على القيم تتطلب طرقا تدريسية تقوم على مهارات خاصة تعتمد الحوار والتواصل والتفاعل والاستماع لا التلقين وشحن الذاكرة.
وبالعودة الى المرجعيات الأساسية الناظمة للتعليم بالمغرب نجد أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين دعا الى التمسك بمبادئ العقيدة الاسلامية وقيمها الرامية الى تكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، المتسم بالاعتدال والتسامح والشغف بالعلم والسعي الى طلبه لأجل الاطلاع المتوقد والابداع المطبوع بروح المبادرة الايجابية والانتاج النافع، وترسيخ المشاركة الايجابية في الشأن العام والخاص مع الوعي الراسخ بالحقوق والواجبات، والتشبع بروح الحوار وقبول الاختلاف ... مع الانفتاح على معطيات الحضارة الانسانية المعاصرة وما فيها من آليات وأنظمة تكرس روح التشبث بحقوق الانسان وامتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا والاسهام في تطويرها.
ومن خلال ما سبق يتضح أن القيم الدينية والمدنية أو الانسانية الواردة في الميثاق هي قيم كاملة وأساسية مثل قيم العقيدة الاسلامية وقيم المساواة والمواطنة وحقوق الانسان اضافة الى قيم أخرى مرتبطة بالروح النقدية والتعلم الذاتي والحوار والتفكير العقلاني لكن يتم التعامل مع هذه القيم وكأنها مكتسبات جاهزة ينبغي فقط أخذها من مصادرها والتكيف معها دون نقد وابداع وهذا ما لا يتوافق مع تشكيل الروح النقدية للمتعلمين كأولوية مركزية في مدرسة اليوم لأن القيم لا تملى وانما تبنى من منطلق التفكير العقلاني عبر ممارسة التفكير النقدي والتحليل المنهجي والتحرر من السذاجة الفكرية والعاطفية ومن الأحكام المسبقة واستخدام العقل والتعبير عن الرأي بالحجج ...(التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي – مديرية المناهج 2007)- لأن القيم تبنى ولا تملى من خلال العمل على تنمية الكفايات الضرورية التي تضمن الاجتهاد والابداع والروح النقدية.
وبخصوص الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم(2015-2030) فإنها استحضرت هي الاخرى القيم ودورها في بناء مواطن مغربي فاعل غير منفعل ونصّت على جعل المتعلم متشبعا بالقيم الوطنية والكونية عبر تدريبه على الالتزام بالقيم الوطنية (تحية العلم) وتنويع الأنشطة الموازية وجعل القيم موضوعا لها والتوعية بالسلوكيات المدنية المطلوبة مجتمعيا وفتح فضاءات حرة للنقاش (الاذاعة المدرسية_ المجلات والنشرات_ الكتابة الصحفية_ المسرح المدرسي..) واشراك جمعيات المجتمع المدني قصد المساهمة في التأطير ونبد العنف في أفق تخليق المدرسة ومن خلالها تخليق الحياة العامة وتكييف المناهج والمقررات والبرامج التربوية مع هذا المسعى واعتبار المتعلم غاية الفعل التربوي وتشجيعه على ثقافة الفضول الفكري وروح النقد والمبادرة والاجتهاد ... كلها تدابير تربوية أشرت عليها الرؤية الاستراتيجية لتعزيز التربية على القيم.
هكذا فوثائق الاصلاح التعليمي من الميثاق الوطني الى الرؤية الاستراتيجية الى القانون الاطار 17/51 تستحضر القيم ودورها في بناء مواطن فاعل وغير منفعل لكن على مستوى التنزيل وعلى مستوى الكفايات والمهارات في نقل واكتساب القيم والتحسيس بأهميتها تشوبها شوائب وعوائق عديدة يمكن رصدها في المناهج وفي المواد الدراسية وعلى سبيل المثال:
1- استقلالية مادة الفلسفة عن باقي مواد البرنامج التعليمي كما أن البرامج التربوية لتدريس المادة لاتزال هي نفسها منذ سنوات عديدة.. وتحضر مادة الفلسفة مستقلة عن باقي المواد الأخرى بمفاهيمها ومنهجها وطريقة تدريسها كما أن تأكيد الوثائق التربوية ومشاريع الاصلاح على القيم والتربية على القيمة كمداخل لتجويد التربية والتكوين تأكيد يتعامل مع هذه الأخيرة كمعطيات ومكتسبات جاهزة فقط ينبغي أخذها كما هي من الكتاب المدرسي ومن التوجيهات العامة وهذا ما لا يتوافق مع المراد من الدرس الفلسفي الذي يقوم على بناء القيم من منطلق التفكير العقلاني المتحرر.
ان التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة تنتصر للقيم وتعتبر التربية على القيم الى جانب المقاربة بالكفايات والتربية على الاختيار مدخلا أساسيا لتدريس مادة الفلسفة. وبالعودة الى المقررات الدراسية الخاصة بتدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي نجد عدة مشاكل تقف عائقا أمام التفاعل الايجابي للمتعلمين مع المادة أهمها عائق الكم الهائل للدروس مما يحول دور المدرس الى موصل للبضاعة دون التأسيس العقلاني المتحرر للقيم بمعنى أن المقاربة الكمية تشكل حاجزا أمام تربية المتعلم على التفكير العقلاني المتحرر.
2- الموقع الهامشي لمادة التربية الاسلامية في المنهاج التعليمي وهي التي وضعت أساسا لإرساء الشعور بالانتماء الى الحضارة العربية الاسلامية والاهتداء بقيم العقيدة الاسلامية، قيم الصلاح والاستقامة والاعتدال والتسامح، كما أن حصصها الدراسية تعاني من الضعف والقلّة مقارنة مع غيرها من المواد الدراسية وعدم تطوير برامجها لتستوعب المستجدات المعاصرة المرتبطة بسلوك المتعلم كالإعلام والتواصل والبيئة وحقوق الانسان وقضايا الاقتصاد وغيرها من المواضيع التي يملك الإسلام فيها منظومة متكاملة من المبادئ والقيم والأحكام دون أن نجد لها أثرا في مناهج التربية الاسلامية مما يجعل المتعلم يربط بين التربية الاسلامية ومجال العقائد والعبادات فقط وهو ما يناقض شمولية الإسلام كما أن هناك تحديات اجتماعية في مجال القيم وخاصة على مستوى التنشئة الأسرية في بناء شخصية الأبناء وتحديات اعلامية بما تحمله من مغريات جذابة على مستوى طرق نشر الرسالة الاعلامية سواء عبر الفضائيات أو شبكة الأنترنيت أو غيرها من وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي التي تحمل للناشئة العديد من الرسائل المناقضة للقيم والمبادئ التي يتلقونها من مادة التربية الاسلامية.
هذا الالتباس والاختلال في منظومة القيم كما هي محددة في المرجعيات التربوية ومشاريع الاصلاح وفي مواد المنهاج الدراسي أفقدها دلالاتها ومعانيها العميقة وتحولت الى مجرد شعارات او مفاهيم عامة ومجردة ولذا يتعين لأجل اكتسابها أو على الأقل التحسيس بأهميتها استحضار البعد العقلاني في كل تأسيس قيمي وتمكين المتعلمين من امتلاك آليات النقد والابداع عبر طرائق بيداغوجية حديثة تأخذ بعين الاعتبار التطور الذهني للمتعلم بعيدا عن الصيغ البيداغوجية التقليدية مع ضرورة تكوين المدرسين وفق تصور يسمح بامتلاك المهارات ذات الصلة بترسيخ القيم الايجابية وخاصة مهارات التواصل والحوار والاستماع الى الرأي الآخر...والاعتناء بالتوجيه السلوكي والعاطفي والانساني عوض التركيز على المضامين الدراسية بهدف انجاز المقرر وانهائه ..
ان تحقيق هذا الرهان يتطلب إعادة النظر في تدبير الزمن الدراسي ليقوم على اعتماد تصور نسقي يستحضر الحاجات النفسية والعاطفية للمتعلمين وهذا أمر لا يمكن أن تنجزه المقررات الدراسية وحدها لذلك لابد من تفعيل الحياة المدرسية بكل مكوناتها مع ضرورة الانطلاق من تصور شمولي للمنظومة التعليمية يجعل القيم الحقوقية وقيم المواطنة مكونا مركزيا فيها وليس مجرد مفاهيم جوفاء او مبادئ عامة.