عبد الحق الحاج خليفة
إن جميع الفاعلين التربويين مدعوون اليوم ليجيبوا على سؤالين اثنين هما:
ما العمل من أجل تدبير مشكلات المتعلمين و ما يحملونه من أعطاب من أجل خلق أكبر قدر ممكن من تكافئ الفرص و تضييق الهوة الشاسعة بينهم وبين متعلمين آخرين في مؤسسات أخرى لا يعانون ضمنها نفس الأعطاب والمعوقات، ودونما التورط في البحث عمن المسئول عن هذه الأعطاب ومن الذي ساهم في تفاقمها، وعلى الرغم من وجاهة كل الحجج التي تفسر هذه التفاوتات ؟ وذلك انطلاقا من أن المؤسسة التعليمية التربوية تشكل الفضاء الذي يوجد اليوم أمام أمر واقع لا مهرب منه ، وهو الاعتقاد في أن مهمة المدرس - كأحد أهم المتدخلين التربويين داخل الفضاء المدرسي- هي أشبه ما تكون بمهمة الطبيب الذي يتدخل على وجه الاستعجال لمباشرة الحالات المرضية ومهما كان استعصاؤها لإيقاف النزيف وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وبشكل استعجالي و بغض النظر عن أسباب الجروح أو الأعطاب ودونما بحث عن المسؤول عنها أو من الذي ساهم في تفاقمها ؟
ما العمل من أجل تحسين الحصيلة والمردودية في أفق تحقيق الجودة ضمن هذا الواقع وبكل إكراهاته ، علما أن تحسين الحصيلة والمردودية يشكل اليوم مطلبا أساسيا، ليس فقط لكونه يمثل معيارا حاسما في تقويم مستوى أداء المؤسسات وتدبيرها و ترتيبها، بل لكونه يُعدّ بالدرجة الأولى واجبا أخلاقيا اتجاه المتعلمين لا يجوز خرقه أو التفريط فيه مهما كانت الدواعي والأسباب؟
إنها أسئلة صعبة حقا إلا أن إمكانية الإجابة عنها أمرممكن إلى حد بعيد، وذلك بواسطة تضافر الجهود لبلورة تصور جديد لمفهوم التدبير التربوي، تصور تشكل ضمنه الإدارة التربوية فريقا تربويا يتحرك بفعالية ونجاعة ووعي بخصوصية الأداء الذي يقتضيه الحقل التعليمي التربوي، ويشكل ضمنه المدرسون ، فاعلين مستوعبين لوظيفتهم الشاقة والنبيلة ومقتنعين بأن مهامهم لا تنحصر داخل القسم من خلال إنجاز المقررات الدراسية فقط،بل تتجاوز ذلك إلى المساهمة الميدانية كقوة اقتراحية من خلال التشاور والتنسيق وإبداء الرأي ومحاولة الوقوف على مشكلات المتعلمين والمساهمة في إمكانية تطويقها أو الحد من آثارها السلبية على الأقل. بمعنى أن لا خيار أمامنا في ظل واقع منظومتنا الحالي غير اضطلاع الممارسين الميدانيين بوظيفتهم التربوية إلى جانب وظيفتهم التعليمية .
وإذا تقرر هذا، إذا تقرر بأن لا خيار لنا غير حسن الاضطلاع بوظيفتنا التربوية، إلى جانب وظيفتنا التعليمية. وإذا كان الواجب الأخلاقي يدعو جميع الفاعلين الميدانيين، مدرسين وإدارة تربوية أن يشتغلوا بروح الفريق لتيسير ما هو ممكن من العوامل والشروط الداعمة لحسن الأداء والتدبير التعليمي التربوي ، فإن مبادرة الاحتضان التربوي يمكن أن تشكل أحد الصيغ الممكنة لمحاولة تطويق العديد من المشكلات التي يعانيها المتعلمون ،كما يمكنها أن تشكل أحد الوسائل الممكنة لرد الثقة وإعادة الاعتبار للدور الرائد الذي لعبه ويمكن أن يلعبه المدرس في حياة المتعلمين، بل المساهمة في بناء وتكوين شخصياتهم، وذلك من خلال التطبيق العملي الخلاق لها من قبل المحتضنين –المدرسين-.
و إن احتضان المتعلمين و مرافقتهم التربوية خلال السنة الدراسية يمكن أن يشكل مدخلا لإعادة الاعتبار و ترسيخ الثقة في و ظيفة المدرس التربوية والاجتماعية التي تضررت كثيرا بفعل ما لحقها اليوم جراء جملة من العوامل المتنوعة التي اختزلتها في رأي المجتمع إلى مجرد حرفة كباقي الحرف، يسعى من ورائها ممتهنوها إلى توفير أو تحسين مورد الرزق، الشيء الذي يقتضي و بإلحاح ضرورة التفكير الجماعي في أشكال الفعل الممكنة من أجل تدارك ما يمكن تداركه مما يتعرض له الفعل التربوي من تهم خطيرة مست أحد أهم دعائمه و أسسه ألا وهو الرأسمال الأخلاقي الذي يستحيل بدونه الحديث عن إعادة الثقة في الأدوار المشرقة و المتوهجة التي اضطلعت بها المدرسة المغربية خلال عقود من السنين قبل أن يصيبها اليوم ما أصابها.
(يتبع)