يتناول محمد الدريسي، الباحث والفاعل التربوي، في مقاله "مدارس الريادة في البرنامج الحكومي: تناول استشرافي ذكي" موضوع تجربة مؤسسات الريادة وموقعها ضمن التوجهات الجديدة للإصلاح التربوي بالمغرب. ويناقش الكاتب مدى انسجام هذه التجربة مع مقتضيات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار 51.17، مستعرضا أهم مكتسباتها وإكراهاتها. وتتمثل الفكرة العامة للمقال في الدعوة إلى تثمين المكتسبات التي حققتها مؤسسات الريادة وتطويرها في إطار إصلاح تربوي متوازن ومستدام.
المقال:
الكل يجمع على أن إصلاح منظومة التربية والتكوين يعد ورشا مجتمعيا أساسيا، ومسارا متواصلا يتطلب الترصيد واستثمار التراكمات الإيجابية، وفي نفس الوقت الوقوف على التعثرات والاختلالات من أجل التطوير؛ ولذلك فالأمر يستلزم استحضار التوجهات الاستراتيجية للإصلاح المعتمدة في الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 وفي القانون الإطار 51.17، وتفادي منطق القطيعة الذي سجل على التجربة الحكومية السابقة عندما تم اعتماد خارطة الطريق 2022 - 2026 والتخلي ضمنيا عن عدة إجراءات وتدابير ملزمة تنص عليها تلك المرجعيات المؤطرة للإصلاح.
وباستثناء الإشارة إلى أن المغرب سجل بعض المؤشرات الإيجابية، خاصة توسيع قاعدة التمدرس بأكثر من 30% بين 2018 و2025، وتحسن جزئي في ظروف التمدرس، إضافة إلى التراجع في نتائج PISA 2025؛ لم يستند البرنامج الحكومي إلى أي تقييم أو حصيلة للولاية الحكومية السابقة، كما أنه حاول تبرير تلك النتائج المتدنية في ترتيب المغرب مقارنة بسنة 2022 بكونها أتت في سياق دولي عرف بدوره تراجعا في الأداء، وأنها لا تشمل تقييم أثر "مؤسسات الريادة" بالنظر إلى العينة التي شملها التقييم.
وهنا لابد من التساؤل عن مآل تقييمات الأثر التي أنجزتها الوزارة بتعاون مع مركز أبحاث دولي (J-PAL ) لمدة ثلاث سنوات، حيث لم تنشر نتائجها لحد الآن، وكان من المفترض أن يرتكز تدبير الولاية الحكومية الحالية على خلاصاتها. وبدل ذلك فقد نحى البرنامج الحكومي في توجه عام وغير واضح (لكنه على ما يبدو كان مقصودا) عندما اعتمد "مواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة" بالسلك الابتدائي، وفي نفس الوقت أقر إجراءات وتدابير قد تؤدي إلى تغيير جوهي لذلك النموذج، من قبيل: تفعيل دور اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج وإرساء مراجعة دورية للمناهج، وإعداد مرجع وطني للتعلمات في أجل أقصاه 6 أشهر، ومراجعة وتخفيف البرامج الدراسية قبل الدخول المدرسي 2027/2028.
أما فيما يتعلق بالسلك الإعدادي فلم يشر البرنامج لا من قريب ولا من بعيد لـ "إعداديات الريادة"، رغم أنه تحدث عن تعزيز آليات رصد ومعالجة التعثر الدراسي، وإرساء آليات ترابية لاسترجاع المنقطعين وإعادة إدماجهم، دون تسمية " آلية اليقظة " المعتمدة في نموذج الريادة، ودون تناول الشق البيداغوجي والجوانب المتعلقة بالأنشطة الموازية. وذلك مع الإشارة إلى الرهان الذي رفعه البرنامج الحكومي والمتمثل في تحقيق "صفر انقطاع " بحلول سنة 2030، وهو الرهان الذي يبدو طموحا وبعيدا إلى حد ما عن الواقع.
يمكن القول إذن، إن البرنامج الحكومي تعامل بذكاء استشرافي مع موضوع الريادة الذي عرف نقاشا واسعا في الأوساط التربوية والمجتمعية، حيث أنه تعامل بنوع من الحذر و لم يصرح بموقف قطعي بشأن النموذج المعتمد على مدى ثلاث سنوات، بل ترك الأمر لمخرجات التقييم المتوقع للتجربة، لكنه في الوقت ذاته أعاد البوصلة للقانون الإطار 51.17 ولو بشكل ضمني، من خلال إقرار مجموعة من التدابير المستندة إلى مقتضياته؛ مما يدل على إرادة سياسية في استثمار ما قد يكون لنموذج الريادة من نتائج إيجابية دون الارتهان للتصور الذي حكم بلورة هذا النموذج والآليات التي سخرت لأجرأته.
وانسجاما مع هذا التوجه، ومن خلال التتبع والتفاعل الميداني مع تجربة مؤسسات الريادة والفاعلين فيها، يمكن أن نلخص بشكل أولي أهم المكتسبات التي رصدتها هذه التجربة، مع الإشارة إلى بعض الشروط والمقومات والمقترحات الضرورية للتطوير:
1- أهمية عمليات التقويم التشخيصي في بداية الموسم الدراسي، حيث تمكن الأساتذة من التعرف على التعثرات المتراكمة لدى التلاميذ، وتتيح إمكانية التدخل لمعالجتها أو التقليص من حدتها، وهذا بالطبع يسهل اندماج التلميذ في سيرورة التعلم الجديدة؛ غير أن نجاعة هذه العمليات تتطلب:
- منح المؤسسات التعليمية هامشا من الاستقلالية في تدبير تمرير روائز الموضعة القبلية والبعدية، ووضع بنك للروائز رهن إشارتها، مع ترك الاختيار ضمنها للأساتذة؛
- إعادة النظر في عمليات تفييئ التلاميذ بناء على نتائج التقويم التشخيصي، وذلك بتشكيل مجموعات متجانسة داخل كل قسم واعتماد البيداغوجيا الفارقية لتنزيل أنشطة الدعم، عوض اللجوء إلى توزيع جديد للتلاميذ خارج أقسامهم الأصلية؛
- مراجعة الزمن الخاص بالدعم المكثف بتقليصه إلى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع على الأكثر، وتركيز التدخلات العلاجية على مكامن الضعف لدى المتعلمين؛
- استحضار وضعيات التلاميذ المتميزين الذين هم في حاجة لأنشطة تلائم مستواهم المعرفي والمهاري خلال هذه الفترة؛
- إلغاء عمليات التحقق الخارجي المتعلقة بروائز الموضعة وبباقي التقييمات، والاكتفاء بآليات للتتبع الداخلي من طرف المؤسسة مع استثمار الملاحظات النوعية المستخلصة من طرف الأساتذة؛
- اعتماد مقاربة العمل بالمشروع، حيث يعد كل أستاذ، بتنسيق مع المفتش التربوي، مشروع عمل خاصا بالأقسام المسندة إليه، وذلك بناء على نتائج وخلاصات التقويم التشخيصي. على أن يتم الارتكاز على مشاريع الأقسام في بناء مشروع المؤسسة.
2- ضرورة إعادة النظر في مرحلة التعليم "الصريح" مقاربة ومنهجية ومضمونا، حيث لوحظ اعتمادها على مقاربات تقليدية ترتكز على التكرار والحفظ والنمذجة، مما يقلص هوامش الإبداع والمبادرة لدى الأساتذة والمتعلمين على السواء، ويجعل العملية التربوية روتينية تميل إلى التلقي السلبي وفق المدرسة السلوكية؛
3- ضرورة تنويع الأدوات والوسائل الديداكتيكية، والانفتاح على الجوانب التطبيقية للتعلمات، والاستعمال المعقلن للحاسوب وجهاز العرض، توخيا لجودة التفاعلات الصفية، وتفاديا للانعكاسات غير المرغوبة على المستويات الصحية والنفسية والبيداغوجية؛
4- التراجع عن إقرار فروض موحدة للمراقبة المستمرة، وترك المجال للأساتذة لاختيار طرق وأدوات التقويم ضمن المحددات والضوابط التي تنص عليها الأطر المرجعية، وذلك باعتبار المراقبة المستمرة تقويما تكوينيا بالأساس، يهدف إلى مساعدة المتعلم على تجاوز تعثراته، على عكس التقويمات الإجمالية أو الإشهادية؛
5- جعل الدعم الممتد مهمة مدمجة في مشروع عمل الأستاذ مع كل قسم، باعتباره الأكثر تفاعلا مع تلاميذه، والأقدر على فهم أوضاعهم وتعثراتهم؛
6- أهمية الأنشطة الموازية والرياضية في تنمية المهارات الحياتية لدى المتعلمين، ومعالجة بعض التعثرات الدراسية وحالات ضعف الاندماج المدرسي، كما أنها تساهم في إضفاء الجاذبية والحيوية على الوسط المدرسي؛ غير أن إنجازها بشكل معزول عن سيرورة التعلم عبر منشطين خارجيين، وإضافة حصص للزمن الدراسي، يقلل من نجاعتها ويضع المؤسسة أمام إكراهات تدبيرية ومادية. ويقترح بالمقابل:
- بناء جناح خاص بالأنشطة المندمجة يستغله الأساتذة والأندية التربوية والشركاء، وفق جدولة زمنية مدمجة في استعمالات الزمن؛
- مراجعة المناهج الدراسية وتخفيفها، وإتاحة مساحات للتعلم الذاتي والتشاركي، وإدماج الأنشطة الموازية ضمن مناهج ومقررات المواد الدراسية، بشكل يراعي الكفايات المستهدفة؛ وهذا يتطلب إعادة النظر في طرق التدريس ومنهجيات تنفيذ المقررات، في اتجاه إقرار أنشطة مندمجة مرتبطة بالمادة، تنجز ضمن الغلاف الزمني المخصص لها في فضاءات متنوعة؛
7- محاربة الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، ومراجعة الحد الأقصى المعتمد من طرف الخريطة المدرسية من 40 تلميذا إلى 30 على الأكثر في جميع الأسلاك التعليمية؛
8- تخصيص حيز زمني أسبوعي ضمن جداول حصص الأساتذة وباقي الفاعلين التربويين والإداريين، يتم استغلاله لعقد مجالس المؤسسة وفريق القيادة وخلايا اليقظة.
تلكم بعض الملاحظات والمقترحات المستوحاة من واقع الممارسة الميدانية، والتي تهدف إلى الارتقاء بالتجربة الإصلاحية في انتظار تقييم مؤسساتي رسمي، نأمل أن ينطلق بإعلان نتائج وخلاصات قياس الأثر الذي أنجز خلال السنوات الثلاث الماضية.
وختاما، لابد من تثمين المقاربة التي تناول من خلالها البرنامج الحكومي تجربة "مؤسسات الريادة"، وهي مقاربة استشرافية تفادت منطق القطيعة، باعتبار كل تجربة إصلاحية لها إيجابياتها وسلبياتها، فعين الصواب أن يتم الاشتغال على استثمار المكتسبات وتجاوز نقط الضعف، مع إرجاع مسار الإصلاح إلى سكته السليمة ضمن الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار 51.17.
ويبقى التأكيد على أن نجاح أي مبادرة إصلاحية لا يرتبط فقط بجودة التصور والتأطير النظري بقدر ما يرتهن للشروط والمقومات والتدابير العملية المواكبة لتنزيل الإصلاح، فالميدان هو المحك الحقيقي الذي يثبت مدى واقعية ونجاعة أي نموذج أو برنامج إصلاحي.
محمد الدريسي
باحث وفاعل تربوي
مفتش منسق جهوي بأكاديمية درعة تافيلالت