تحاول الطالبة المفتشة نادية الصدقي في هذا المقال تسليط الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به مؤسسة وسيط المملكة في ترسيخ ثقافة الحوار والإنصاف بين الإدارة والمواطن. من خلال زيارتها التكوينية رفقة زملائها لمقر المؤسسة يوم 09 يوليوز 2026، أبرزت الكاتبة أن الوساطة ليست مجرد إجراء قانوني، بل رؤية حضارية لإدارة الاختلاف وتحويل الأزمات إلى فرص. وتؤكد أن هذه التجربة شكلت درسًا حيًا في الحكامة الجيدة، ورسخت قناعة بأن الدول تُبنى بالقانون لكنها تستمر بالحوار.
نادية الصدقي طالبة مفتشة
في ظل ما يعيشه العالم اليوم من تحديات اجتماعية وتنامي أسباب التوتر والاختلاف، أصبح من الواضح أن قوة الدول الحديثة لم تعد تقاس بصلابة مؤسساتها وبترسانتها القانونية، بل بقدرتها على الانصات لمواطنيها وإرساء حوار دائم معهم واستباق الأزمات قبل استفحالها.
وتعد مؤسسة وسيط المملكة من أبرز المؤسسات التي تجسد هذا النهج باعتبارها هيئة دستورية جعلت من الوساطة والإنصاف ركيزتين لتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق.
هذه القناعة ترسخت لدي إثر الزيارة التكوينية والدراسية التي نظمها مركز تكوين مفتشي التعليم لمؤسسة وسيط المملكة يوم الخميس 09 يوليوز 2026، تحت إشراف الدكتور سعيد العلام مدير المركز وبتأطير مهني رفيع للدكتور محمد حمودو أستاذ مكون بنفس المركز، الذي حرص على أن تشكل هذه الزيارة محطة علمية وتكوينية ثرية، تجمع بين المعرفة النظرية والاحتكاك المباشر بالممارسة المؤسساتية.
لم تكن هذه الزيارة مجرد محطة للتعريف باختصاصات مؤسسة دستورية نص عليها دستور 2011، ولا مناسبة لاستعراض النصوص القانونية المنظمة لعملها، بل كانت درسا حيا في معنى الحكامة الجيدة، وفي قيمة الإنصات، وفي قدرة الحوار الهادئ على تحويل الازمات إلى فرص لبناء الثقة.
فمنذ اللحظات الأولى للزيارة، بدا واضحا أن مؤسسة وسيط المملكة لا تنظر إلى الوساطة باعتبارها مجرد إجراء قانوني لتسوية النزاعات، بل باعتبارها الوجه الإنساني للدولة، ورهان المغرب في تدبير الأزمات وربما الطريق الأقصر إلى الإصلاح، بحيث تقوم على الإنصاف والحياد والاستقلالية والبحث عن حلول عادلة تحقق التوازن بين احترام القانون وصيانة حقوق الأفراد. وقد تجلى ذلك في العروض العلمية التي قدمها كل من السيد حسن طارق وسيط المملكة، وأطر المؤسسة. والتي أبرزت أن الوساطة ليست بديلا عن القضاء. وليست سلطة فوق الإدارة. وإنما هي آلية دستورية تبحث عن حل يعيد التوازن إلى العلاقة بين الإدارة والمرتفق، ويصون كرامة المواطن وهيبة المرفق العمومي في آن واحد. فضلا عن ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة التي نص عليها دستور المملكة، إن المتتبع لمسار الإصلاح الإداري بالمغرب يدرك أن إحداث مؤسسة وسيط المملكة لم يكن مجرد تغيير في التسمية، بعد أن كانت تعرف بديوان المظالم، بل كان تعبيرًا عن تحول عميق في فلسفة الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على فرض القانون، وإنما أيضًا بقدرتها على الإنصات لمواطنيها، والاعتراف بحقهم في التظلم، وخلق مؤسسات مستقلة قادرة على إعادة بناء جسور الثقة كلما أصابها التصدع.
ولعل أكبر تجل لهذا الدور ما عرفه المغرب في أزمة طلبة كليات الطب والصيدلة، التي امتدت لما يقارب أحد عشر شهرًا، وتسببت في شلل غير مسبوق داخل الكليات، وهددت بضياع سنة جامعية كاملة لآلاف الطلبة. وبعد تعثر محاولات عديدة، قادت مؤسسة وسيط المملكة مبادرة للتقريب بين وجهات النظر، انتهت إلى توقيع محضر للتسوية أعاد الطلبة إلى مدرجاتهم وتداريبهم السريرية، وفتح صفحة جديدة عنوانها الحوار والثقة. لقد برهنت هذه التجربة أن الوساطة ليست ترفًا مؤسساتيًا، بل أداة فعالة لتدبير الأزمات حين تستنفد وسائل الحوار التقليدية.
إن هذه التجربة تفرض علينا سؤالًا جوهريًا: كم من أزمة كان يمكن أن تنتهي في وقت أبكر لو حضرت ثقافة الوساطة منذ بدايتها؟ فالأزمات الاجتماعية والمهنية لا تنشأ فجأة، وإنما تتراكم بفعل غياب الإنصات وضعف التواصل وتأخر الحوار.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن استحضار نجاح مؤسسة وسيط المملكة في تقريب وجهات النظر بين طلبة الطب والإدارة، دون استحضار ما عاشه قطاع التربية الوطنية خلال الحراك التعليمي لسنة 2023، حين أدت حالة الاحتقان إلى توقف الدراسة لأسابيع، وأثرت في الزمن المدرسي وفي تعلمات ملايين التلاميذ. لقد كشفت تلك المرحلة أن الحوار المؤسساتي المبكر، والإنصات الحقيقي والوساطة الرصينة، ليست مجرد خيارات إدارية، بل هي ضرورة لحماية المرفق العمومي وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
لقد كانت هذه الفكرة حاضرة بقوة ونحن نصغي إلى عروض أطر مؤسسة وسيط المملكة. فالوساطة، في جوهرها، ليست مجرد تقنية قانونية، وإنما هي رؤية حضارية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على الاعتراف بالاختلاف، واحترام الكرامة الإنسانية، والبحث عن حلول تحفظ المصلحة العامة دون المساس بحقوق الأفراد.
ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي حملناها معنا، نحن طلبة مركز تكوين مفتشي التعليم، تتجاوز التعرف على اختصاصات مؤسسة دستورية، إلى استيعاب فلسفة كاملة في ممارسة المسؤولية. فمفتش التعليم، بحكم موقعه داخل المنظومة التربوية، ليس خبيرًا في المناهج وطرائق التدريس فحسب، بل هو فاعل مؤسساتي يسهم في تدبير العلاقات المهنية، ومواكبة المؤسسات التعليمية، وتقريب وجهات النظر، والوقاية من النزاعات، وتعزيز ثقافة الحوار داخل المدرسة.
فالمدرسة، هي الأخرى، فضاء تتقاطع فيه مصالح متعددة، وتختلف داخله وجهات النظر، وتتعدد فيه الانتظارات. ومن تم، فإن نجاحها لا يرتبط فقط بجودة المناهج والبرامج، وإنما أيضًا بقدرة مختلف الفاعلين على إدارة الاختلاف بالحوار، وتغليب منطق التوافق على منطق الصراع. ولعل هذا ما يجعل فلسفة الوساطة التي تضطلع بها مؤسسة وسيط المملكة ذات قيمة تربوية بقدر ما هي ذات قيمة قانونية وإدارية.
وأنا أغادر مؤسسة وسيط المملكة، لم أكن أحمل معي ملفًا من الوثائق بقدر ما كنت أحمل قناعة جديدة: أن الدول تُبنى بالقانون، لكنها تستمر بالحوار، وأن الوساطة ليست علامة على ضعف المؤسسات، بل على نضجها.
فالوساطة درس من أزمات الوطن وانتصار العقل على النزاع.
والجدير بالذكر أن المركز في إطار انفتاحه على مؤسسات محيطه السوسيو ثقافي والدستوري، نظم في وقت سابق زيارات مماثلة إلى البرلمان بغرفتيه، وإلى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وإلى المعهد العالي للإعلام والاتصال، ومؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين. وقد مكنت هذه المحطات التكوينية الطلبة من توسيع مداركهم وتعزيز ثقافتهم المؤسساتية والانفتاح على تجارب وخبرات متنوعة.
ويعد مركز تكوين مفتشي التعليم الذي تم إحداثه سنة 1969، المؤسسة المتخصصة الوحيدة التي تتولى تكوين أطر هيئة التفتيش التربوي، وهو ما يفسر حرصه على اعتماد مقاربة تكوينية منفتحة تجمع بين التأصيل العلمي والانفتاح على المؤسسات الدستورية والوطنية، بما يعزز الكفايات المهنية والوعي المؤسساتي لدى الطلبة المفتشين. ويضم حاليا أزيد من 400 طالب(ة) مفتش(ة) موزعين على مختلف الأسلاك التعليمية (ابتدائي – ثانوي إعدادي – ثانوي تأهيلي).
