كعادتها لم تخلف الثانوية الإعدادية الموعد مع اليوم العالمي للشعر الذي يوافق 21 مارس من كل سنة، وهيأت للمناسبة احتفاء بسيد الكلام فكرة أمسية شعرية باذخة، اعتنى الطاقم الفني بتأثيث فضائها بمؤثرات ضوئية ولوحات وورود زينت المكان ومنحته شاعرية خاصة.
افتتح الأمسية الأستاذ عبد العاطي الزياني بترحاب شاعري عال بالحضور شعراء ومربين وضيوفا وهيئة الإدارة التربوية وهيئة التدريس وتلاميذ مجدين، محييا الجو التربوي السليم للمؤسسة والتسيير السلس لإدارة وطاقمها التربوي وللمجهودات الجبارة التي يبذلها كل أعضاء المؤسسة وقدم الكلمة لمدير المؤسسة الذي شكر فرسان الشعر على حضورهم، وهنأ اللجنة الفنية على ذوقها الرفيع في تهيئ الفضاء باحتفالية خاصة تليق بالشعر والشعراء، معرجا على قيمة الشعر في حياتنا الإنسانية وضرورته للتعبير على المشاعر الدفينة التي تخالج الإنسان كائنا اجتماعيا يمثل ضمير محيطه، مذكرا بالأدوار التربوية التي يتعين على المؤسسات التعليمية الاضطلاع بها للرقي بذوق التلاميذ وغرس الشعر في أفئدة الناشئة.
انطلقت الأمسية بقراءة محاولات شعرية لتلاميذ المؤسسة وتلميذاتها ، حيث كانت نصوصا شعرية أولية تعكس تطلعاتهم النفسية والعاطفية وأحلامهم في الحياة، وتصدى لها الشاعر م الحسن الحسيني مقوما ومسددا ومشجعا وناصحا وموجها الأعزاء والعزيزات لنواحي إشراقاتهم وما استطاعوا بعفوية خاصة أن يبلغوه بكل الاجتهاد الممكن، ملمحا أن الشعر يحتاج صبرا وتفاعلا خاصا مع اللغة واستعدادا نوعيا لرصد الأحاسيس الرفيعة والتعبير عنها، وكان يدا بيضاء عليهم لأنه تفنن في تشجيعهم برفق وبمقدار يشعرهم بمسؤولية محبة الشعر والوفاء له.
وقد رفع شأو الأمسية مشاركة العواد الكبير فريد الفريد فولاحي الذي قدم لوحة غاصة بالشجن العالي حين أنعش الحضور بمعزوفات غاية في الروعة والوجع حد أن حياه الحضور بما يليق بعبقريته الفنية زاده إدهاشا الصوت الرائق الشائق للمنشد حسن الدراز والذي رحل بالحضور إلى أصقاع طربية أحييت فيه لوعة المغنى في الزمن الجميل، وكان مقام النهاوند والبياتي وغيره مما حرك لواعج الشعراء ليفتنوا الجمع بما بذلوا لأجله حبات القلوب.
الشعر سيد المشاعر ،ومعه تستحق الروح أكثر من وردة. بهاته العبارة، حضر الشعر من الشعراء فكان م الحسن الحسيني الشاعر الذي يسقي وردة الوجع الجميل لتبوح بأريجها الشعري المضمخ بواحة من دهشة، شاعر يخبئ العالم بين شرارة أحرفه وأوردة كلماته، كي يبتكر بهجة الوجود وحنين المخيلة ، الشاعر الذي شرفت تارودانت بميلاد عام 1965 منعشا الحركة الأدبية والفنية والثقافية والرياضية بحركيته وعطائه من خلال مهرجاناتها ومنتدياتها،وللرجل دواوين كثيرة منها : ومضات روح 2001 وإشراقات روح 2002 وعلى ضفة الأمل 2004 وعطر الخزامى 2009 وجه الله عيناي 2010 فضلا عن كتاباته عن تارودانت ورجالاتها وحركية الثقافة والفن فيها ومخطوطاته الشعرية.
شد الشاعر الحضور بما عرف عنه من شاعرية طافحة بالوجع والقلق والأمل وهو يعانق وجوده بكل الدهشات الممتدة، فكانت قصائده من أعماله السالفة ومن جديده الذي لم يقض المستمع وطره منه.
ثم جاء الشاعر حسن أمدوغ الأستاذ في الثانوية التأهيلية ابن سليمان الروداني الباحث في الثقافة الأمازيغية وصاحب ديوان رموش بالعذارى. الشاعر أدركته الشاعرية في اللسانين معا، ولعله في هاته الأمسية جاء ليلبي عطش الحضور للنص الشعري الأمازيغي الذي ينقله إلى واحة إبداعية متوجه بالحكمة والرمز، اللسان الذي يظلل إحساس الفخر لدى المغاربة بالانتماء إلى تاريخ سحيق من المجد التليد ، حين كان أمدياز أو إيسلان الشاعر عصفورا بين أشجار الكلام.
كما رفع الفنان عبد الرزاق الدقاق من طاقة الشاعرية في مرافقته للشاعرين، فقد تفنن في اختيار النغم الذي يعمق الإحساس بجمال الكلام وسموه، وامتزج النغم بالكلم بفنية عميقة.
وعاد العواد الفريد فريد فولاحي ليمتع الحضور ومعه المنشد المحسن حسن دراز بقدود حلبية
كيف لا يتفاعل من يسمع بصوت بهيج مقطوعة:
لما أناخوا بين الصبح عيسهم حملوها وسارت بالدجى الإبل
إن البدور اللواتي جئت تطلبها بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا
طوبي لهذا الشجن العالي الذي تفننت قيثارة فولاحي بنفثه، شجن يغسل الروح من أدرانها ويحلق بها في سماوات الشعر والحنين، وطوبي لذاك السفر الموغل في الحال بترنم موجع للمنشد الذي حيى المحبة ورصعها بالمجد ، سفر بصوت يشق الحجر.
ثم ارتجل ميسر الأمسية عبد العاطي الزياني ( اشجية ) مخاطبا الزجالة أسماء بنكيران:
سمعوني يا حضار
هذي كلمة
تنشدها لبيبة
تغنيها لطيار
من فاس الحكمة
تداوي لقلوب
وتضوي كِ لقمار
سمعوني يا حضار
هذي أسماء بنكيران
بالروح جَاتْ والريحان.
الشاعرة بإصرار مطرد تواصل مغامرتها الزجلية ، وأصدرت ديوانها المائز ( حر لكلام ) ولنا أن نؤمن بطاقة اللغة العامية في نقل صلة الفنان بالواقع ونبض المجتمع.
قرأت نصها حكاية الصنارة الذي رصد برمزية واضحة فنقلت آلام الصوت الملجوم وصدى الجرح المكتوم.
وأهدت المؤسسة ديوانها حر لكلام، شاكرة كرم الضيافة ومشددة على افتخارها بالدعوة.
يستحق الزجل المغربي إنعاشا وتشجيعا كي يواصل مغامرة التعبير عن صدى الألم الذي يستشعره الإنسان المغربي.
وواصل مقدم الأمسية تنسيق الوصلات بما يورده من تفاعل مع المشاركات قائلا:
الشعر وحي صادق ***** وعن الحقائق ناطق
ما قــاله لا حـكيــم ***** ألمعـي حــاذق
الشاعر القري
الشعر جرس إنذار في جدار القلب، الشعر وميض برق في سديم العين ، بصفائه سعت الشاعرة فاتحة صلاح الدين التي لفتت الأنظار لموهبتها في نظم الشعر العمودي وشاركت في مهرجانات في داخل المغرب وخارجه في العراق ولندن وأبو ظبي ويتوزع الشجن والألم والأمل مسارها الفني، تلح على الإنجاز العمودي للشعر وتراه جديرا بنقل الإحساس في كامل زينته وسموه.
واحتفى العواد بموهبة تلميذة مجتهدة شدت برائعة أم كلثوم ( غني لي شوي )
وعاد الشاعر المثقل بعرامة الأشواق والاحتفاء الشاهق باللغة م الحسن الحسيني ليحاور الفضاء ممسرحا نصه في تفاعل مدهش مع الحضور بنص شعري عمودي يسامق قصائد الفحول.
ليختم الأستاذ الأمسية الشعرية الباذخة بعد أن:
أهدى باقة ورد لمن شنف الأسماع وغنى لمن حضرَ
وباقة زهر لمن أمتع السمع والبصرَ
وواحة عطر لمن وعى حق الناشئة ورعى الموعد
وأحيا الشعر.
ثم تناول مدير الثانوية الإعدادية الكلمة ليهنئ الجميع على نجاح الحفل الاحتفائي بسيد الكلام شاكرا كل من له يد بيضاء في هذا الحدث الماتع، الشعراء والشاعرات وأسرة المؤسسة إدارة وأساتذة وتلاميذ.