سعيد الشقروني
ساقني التفكير وأنا أتابع عددا من مشاكل نساء ورجال التعليم وموظفي الإدارات العمومية إلى الإحساس بنوع من الاستغراب وأنا أعاين بقاء بعض مظاهر العبودية في منظومة سوق الشغل. وضع أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه أشبه بما حكاه "إميل زولا" في روايته المثيرة جيرمنال le germinal، حيث تبدو المقابلة بين نمطين من الشغل والعمل مقابلة بين وجودين إنسانيين؛ ففي الوقت الذي "يتدلل" فيه بعض الموظفين في بعض القطاعات على مسؤولهم المباشر لسبب من الأسباب، وفي الوقت الذي تستطيع فيه النقابات أن تضمن الحد المقبول للكرامة في القطاع العام؛ يصبح مجرد التفكير في تحسين الوضع الاجتماعي أو رفض تحكم رب العمل في الأجير، سببا في تحويل رقعة عمل هذا الأخير إلى جحيم، وتغيير "وظيفته" في العمل إلى واقف على باب المرحاض أو منظف أو سائق لعشيقته أو جالب لقهوة الصباح وهلم قهرا..
تساءلت وأي تساؤل مزعج هذا الذي حل بي: ماذا لو كانت الوظيفة العمومية أو قطاع التربية الوطنية يعيشان تحت رحمة "الباطرون التربوي"؟
ماذا لو كان عدد ساعات عمل الأستاذ (الأجير) ما بين 10 و 12 ساعة يوميا وتزيد في فترات التصدير عن 24 ساعة دون اعتبار للجودة المطلوبة ومن غير احترام لساعات العمل القانونية المنصوص عليها في المواد 184و 188و 189و 190و 192 من مدونة الشغل، مع الالتفاف على العمال والعاملات اللواتي يشتغلن أطول مدة في اليوم وحرمانهن جورا من جميع ساعات العمل الإضافية ؟
ماذا لو كانت أجور الشغيلة التعليمية (العمال) تحتسب استثناء على أساس المردودية والقطعة وليس بناء على ساعات عملهن ومدة حضورهن في وحدات الإنتاج مما يتعارض مع المادتين 358 و 359 من مدونة الشغل (فالعاملة مثلا التي فرض عليها أن تظل في مكان عملها 22 ساعة تتقاضى فقط ما يساوي 10 ساعات من العمل مما يعكس الاستغلال البشع للمرأة العاملة؟؟؟ ) علما أن إدارة بعض الشركات تلزم شغيلتها تحت التهديد بالتصريح بأنها تعمل فقط ثمانية ساعات في اليوم عند زيارة ممثلي الشركات الأجنبية أو مفتشي الشغل ؟
ماذا لو تم توقيف بعض الموظفين (العمال) لمدد غير محددة بصفة غير قانونية وبدعوى العطالة التقنية، ولا يمكن التقليص من مدة الشغل العادية إلا وفق المادتين 185 و186 من مدونة الشغل.
ماذا لو تم احتساب الساعات الإضافية سنويا وفق هوى المسؤول، ومن دون الاستفادة من علاوتها المنصوص عليها في المادة 201 من مدونة الشغل رغم عدم اعتماد نظام العمل السنوي.
وماذا لو تم عدم احترام الموظفين (الأجراء) أثناء مزاولة عملهم وخاصة النساء منهم، وتعريضهم لكل أنواع السب والقذف والتحقير والتمييز من طرف المسؤولين المباشرين مما يتعارض مع المادة 24 ويوجب تطبيق مقتضيات المادة 40 من مدونة الشغل؟
وماذا لو انعدمت شروط حفظ صحة الموظفين (الأجراء) وسلامتهم المنصوص عليها في المادتين 281 و 282 من مدونة الشغل مما يهدد حياة الأجراء ويجعلهم ضحية سهلة لحوادث الشغل والأمراض المهنية.
وماذا لو تم اعتماد 4 مندوبين للموظفين (الأجراء) بالتعيين دون إجراء عملية انتخابية حرة بشكل يتنافى مع مدونة الشغل من المادة 440 إلى المادة 450 علما أن جميع "العمال والعاملات" لم يكتشفونهم إلا عند توصل بعضهم بمقررات الفصل موقعة من طرفهم؟؟؟
وماذا لو لم يستفد الموظفون (الأجراء) كليا من الراحة أو التعويض عن الأعياد الوطنية المؤدى عنها وفق المواد 217 و 224 و 226 من المدونة مع استخدام صيغة ماكرة عند احتساب التعويض عن العيدين الفطر والأضحى.
وماذا لو لم يتم احتساب الأقدمية في العطلة السنوية بالنسبة لمستحقيها وفق المادة 232 من المدونة.
هذا هو الوضع عموما في القطاع الخاص "الوَسِيَة الجديدة" حيث تتحول المعامل والشركات إلى ضيعات أشبه بمزارع القطن في عهد الاستعمار الإنجليزي لمصر، حيث التمادي في ممارسة تلك التجاوزات والمخالفات في حق يد عاملة معظمها نسوية من طرف باطرونا بعض أفرادها نواب برلمانيون عن الأمة ونشطاء في جمعيات حقوقية ؟ حيث لا يدخر المسؤول جهدا في استعمال كل الوسائل الخبيثة من كذب وقمع وتهديد وتحريض ووو..... لمنع الأجراء بكل قوة من ممارسة حريتهم النقابية دون أدنى خجل أو تأنيب ضمير أو إحساس بالذنب أو شعور بالندم أو غيرها من المشاعر الإنسانية...؟ ابتداء بإنكار وجود مكتب نقابي وطرد أعضاء منه أوحمل أعضاء على الاستقالة من النقابة، وانتهاء بطبع نَفْسِ نسخ للاستقالة لكي يملأها الأجير ويصادق على إمضائها مع الاعتذار لرب العمل إذا رغب في العودة إلى الشركة ؟ وغيرها من الهجمات التي تقاد على إنسانية الإنسان، وأيضا على من يدافعون عنه ضدا على المادتين 9 و12 من مدونة الشغل.
ماذا لو كان المدير أو المسؤول يتمادى في الاستغلال البشع للحالة الاجتماعية الهشة للأجراء ويسعى بقوة إلى إرهاق المضربين واستنزاف طاقتهم النضالية ومحاولة إضعاف صمودهم والنيل من عزيمتهم من خلال عدم صرف أجور عملهم عن شهور معينة..؟ ناسيا أن الإنسان الحر لا يساوم في كرامته ولا يقبل الدنية أبدا؟ علما بأن مثل هذا الفعل الشنيع يكشف الجشع والطمع وأكل أموال العمال لسنوات بالباطل والاستغناء من عرقهم وصحتهم وسهرهم..
ماذا لو كان مسؤولونا في التعليم مثلا يرفضون الحوار ويمتنعون عن حضور جميع اللقاءات الرسمية وفق مسطرة التصالح المنصوص عليها في المواد 551 و 558 و 559 و 560 ؟
إن وجود مثل هذه الحيوات في مشهدنا العملي يجعل كل متابع وقارئ ألمعي يصاب بخيبة عميقة وهو يعاين وجود هذا الصنف –الذي يقاوم الانقراض- من التدبير على تراب وتحت سماء وطننا العزيز حيث تزداد معاناة شريحة هامة من العمالة قد تُسيرها إدارة غريبة بمثل الأوصاف التي أتيت على بعضها في هذا المقام وربما يكون بعضها قد تسلم مقاليد التسيير بالوراثة، حيث يتأكد للنقابيين وجود بعض العقليات الباطرونية عديمة الإنسانية وفاقدة للضمير وكارهة للحرية ومناهضة للتحرر وخادمة للتحكم ومحبة للانتقام ومحترفة للاستبداد والقمع؛ عقليات إدارية تعيش على جراحات العمال وعذاباتهم وتنتعش بإذلالهم واستعبادهم، يمنعونهم من رفض الظلم والقهر والإهانة، ويرفضون قبول الحوار والتفاوض معهم ويحرمونهم من حق الاعتراض والاحتجاج ؟ هذا النوع من "الباطرونا" يطبقون القول السائر "جوع كلبك يتبعك" لكن في حلة جديدة ووضع مغاير يتناسب وربطة العنق التي يرتدونها..
تبدو شغيلة التعليم وشغيلة الوظيفة العمومية في نعيم عندما تقارن بشغيلة القطاع الخاص، مع إيماننا العميق بضرورة مواصلة التدافع من أجل تحسين أوضاعهما..
معذرة.. هي تساؤلات -وليست بوعي شقي- أردت أن أتقاسمها مع القارئ الكريم، في انتظار أن ينعم الجميع بالكرامة وبالحق في المطالبة بها.
ولنسأل على سبيل المثال عن وضع زملائنا في التربية والتعليم في القطاع الخاص..