في ظل الجدل الذي أثارته مذكرة وزارة التربية الوطنية المغربية حول إدراج موسيقى الهيب هوب في البرامج التعليمية، يبرز تساؤل جوهري حول الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الثقافة في المجال التربوي. يسلط الدكتور عبد القادر أمين في هذا المقال الضوء على الأصول التاريخية لهذا الفن، الذي نشأ في شوارع البرونكس وبروكلين بنيويورك كوسيلة للتعبير عن رفض التهميش والظلم الاجتماعي، وكيف استطاع أن يتحول من صوت احتجاجي إلى حركة ثقافية عالمية لها تأثير واسع في مختلف المجتمعات.
كما يناقش المقال انتقال الهيب هوب إلى العالم العربي وتأثيره على الشباب، خصوصًا في سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة، حيث أصبح وسيلة للتعبير عن القضايا الراهنة عبر إيقاعات موسيقية وكلمات تحمل رسائل قوية.
وفي ظل اقتراح إدراج الهيب هوب في المناهج التعليمية المغربية، يطرح المقال تساؤلات حول مدى انسجام هذه المبادرة مع الأهداف التربوية التي تسعى إلى تحقيق الكفايات، التربية على القيم، والتربية على الاختيار. فهل يمكن لهذا الفن أن يكون جسرًا يربط بين الثقافة الكونية والهوية المغربية دون المساس بالقيم الدينية والوطنية؟ هذا السؤال يبقى مطروحًا أمام الباحثين والمتخصصين في علوم التربية لمناقشته بشكل علمي وموضوعي.
الهيب هوب من شوارع بروكلين والبرونكس الأمريكيتين إلى محاربة العنف المدرسي بالمدرسة المغربية
د.عبد القادر أمين باحث في مجال أغنية الهجرة
تقديم
تعتبر الأغنية من أكثر الفنون تداولا في جميع المجتمعات لكونها تخاطب الجميع وتحمل رسائل مهمة جدا، خاصة حينما يتعلق الأمر بالأغنية الملتزمة التي تعالج القضايا ذات الطابع الاجتماعي، فهي تتقمص بالضرورة عملا فنيا لحقبة زمنية معينة، لهذا فإن الأغنية عامة والأغنية الملتزمة خاصة تلزم الفرد بمحاولة السعي لتحقيق سعادته بالالتزام بالعمل عن طريق أخذ المبادرة للوصول إلى مبتغاه، ومن هذا المنطلق جاء على لسان André deschenaux ما مفاده أن البنية الموسيقية هي الدعامة الفضلى للنص الغنائي كونها تدفع بالمتلقي إلى الانخراط في الخطاب الملتزم والتعامل معه، بعبارة أخرى، فالموسيقى تخاطب الجانب العاطفي وتعمل على فتح وإذكاء عقل المتلقي، بغية تلقي الخطاب الموجه أصلا إلى ما هو منطقي عقلي، فمن هذا المنطلق يستحسن البدء بتحفيز وإثارة المتلقي وتنويع مصادر التأثير العاطفي لديه.
وبكل تأكيد للموسيقا قدرة على تجميع الناس وإثارة مشاعرهم، لذا، استعملت أداة من قبل الحكومات، والفاعلين السياسيين، ومجموعات مختلفة بأجندة سياسية من أجل الحشد والدعم لقضايا مختلفة، فقوتها تساعد لا محالة على تعبئة الناس، مما يجعلها أداة تخشاها الأنظمة وتتوجس منها خيفة، وفي ذات الصدد هناك الكثير من الأبحاث والدراسات الثقافية والانثروبولوجية التي تبحث في دور ووظيفة الفن باعتباره أداة للانتماء أو للتعبير السياسي.
1- مراسلة وزارية أثارت الجدل
أثارت مراسلة أصدرتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة يوم 15 ماي2025 تحت رقم 356/25 جدلا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية جمع بين الجدية والسخرية، هذه المذكرة دعت إلى دعم قدرات أساتذة التربية البدنية بتنسيق مع الجامعة الملكية المغربية للرياضات الوثيرية، الرشاقة البدنية ، قصد إدراج موسيقا "الهيب هوب" في البرامج التعليمية، ومساهمة منا في النقاش بعيدا عن ردود الأفعال العاطفية ،نود في هذا الصدد التعريف بالجذور التاريخية لهذا الفن وإلقاء الضوء على التربة التي نبت فيها لينتشر خارجها بفضل وسائل الإعلام ، ولنتساءل بشكل أكاديمي عن مدى القدرة على إخراج هذا الفن من واقعه الموسوم بالاحتجاج وبالقيم المرتبطة بالأمريكيين السود المهمشين في أحياء هارليم وبروكلين وبرونكس ، أحياء خرجت في فترة معينة عن سيطرة السلطة بفعل تفشي الجريمة والعصابات وتجار المخدرات، فضاءات مهملة من قبل الدولة أعدمت من خلالها الحلم الليبرالي على حد تعبير مغني الراب "جراند ماستر" الذي أصدر أغنية على شكل صرخة " حلمي هو أن أعيش في عالم آخر" .
2- أصل كلمة "هيب هوب" وتطورها التاريخي
كلمة "هيب هوب" لها عدة أصول لغوية. تم اعتمادها لأنها تحمل معاني متعددة وتُعبّر عن أفكار متنوعة. "Hip" في العامية السوداء الأمريكية تعني "أن تكون على دراية" أو "في المنافسة"، وأحيانًا تشير إلى "الذكاء" أو "أن تكون عصريًا". أما "Hop" فهي صوت يدل على القفز، وهو ما يرمز إلى الرقص – أقدم أشكال التعبير في هذا الفن. وتشير أصوات الكلمتين إلى الحركات الراقصة التي كان يؤدّيها الراقصون (Breakers) في البرونكس.
بالتالي، الهيب هوب يعني التقدّم والتطوّر اجتماعيًا وإبداعيًا بفضل الذكاء والقدرة على التأقلم. وهو يذكّر أيضًا بمصطلح "بيبوب" (Bebop)، تيار موسيقي في "الجاز" jazz ظهر بعد الحرب العالمية الثانية.
نشأ فن الهيب هوب في سبعينيات القرن العشرين داخل الأحياء الفقيرة لمدينة نيويورك، وتحديدًا في حي البرونكس، على يد شباب من أصول إفريقية وبورتوريكية. كان هذا الفن وسيلة للتعبير الفني والاجتماعي والثقافي في مواجهة التهميش والفقر. اتخذ أشكالًا متعددة أبرزها الرقص، الغناء (الراب)، الكتابة على الجدران (الغرافيتي)، والـDJing. كان الهيب هوب أكثر من مجرد موسيقى، بل رؤية للعالم ونمط حياة يعكس الذكاء، الإبداع، والقدرة على التحدي والتأقلم.، فكان تعبيرًا عن واقع اجتماعي واقتصادي قاسٍ، وأصبح فيما بعد حركة ثقافية عالمية.
3-أصل التسمية وانتشارها
تكررت عبارة "هيب هوب" على ألسنة مغني الراب (MCs) خلال الحفلات ثم في الأسطوانات، وأصبحت الكلمة المفتاحية لهذا التيار في البرونكس، ثم في جميع أنحاء الولايات المتحدة والعالم.
يُنسب هذا المصطلح من قِبل البعض إلى "كيفن سميث" Kevin Smithالذي نشأ في البرونكس في أواخر الستينيات وعمل مع عدد من الـDJ المحليين. في عام 1978، وأصبح DJ في نادي "ديسكو فيفر" الشهير، وشارك في حفلات كبرى مثل تلك في "هارلم وورلد".
4- الهيب هوب... حين يحل اللعب محل العمل:
في تلك الأحياء، كان الشباب يوصلون أنظمتهم الصوتية بشكل غير قانوني إلى أعمدة الإنارة لبدء الحفلات. وهكذا عاد "الفن الأسود" إلى الواجهة بين عامي 1974 و1975.
في هذا السياق، لمع نجم Kool Herc، المهاجر جامايكي، بفضل "البركس" – يعيد تشغيل مقاطع قصيرة من الأغاني بمهارة لإبقاء الجمهور مندمجًا في الإيقاع. باستخدام أسطوانتين وطاولة مزج، صنع " Herc " وAfrika Bambaataa جمالية موسيقية جديدة قائمة على تكرار الإيقاع وتصعيد التوتر، مما جعل الجمهور في حالة اندماج دائم.
5- السياق الاجتماعي لفن الهيب هوب:
كانت مدينة نيويورك ومنذ السبعينيات مشهورة بتنوعها الثقافي، حيث اختلطت فيها العديد من الثقافات المختلفة مثل الأفارقة الأمريكيين واللاتينيين والأمريكيين الأصليين. كما عرفت تدهورا اقتصاديا واجتماعيا خصوصا في الأحياء الفقيرة برونكس وبروكلين، ارتفعت البطالة والجريمة وانتشرت ثقافة الشوارع. وفي هذا السياق ولدت ثقافة الهيب هوب في بيئة محرومة متوترة اجتماعيا بالتهميش والفقر والعنصرية مما جعل الأمريكيين السود ينقلون مطالبهم المدنية من الساحة السياسية إلى الساحة الفنية معبرين بأصواتهم لتجسيد السخط والإحباط وأحيانا الفرح الجامع بعد أي انتصار، وأصبحت الشوارع مسرحا للعروض ، ساهمت عفوية الارتجال في تطوير وانتشار الحركة الثقافية التي سيطرت على نهاية القرن العشرين، ثقافة متنوعة جمعت بين الثقافة الافريقية والثقافة الكاريبية وأعطت مزيجا من الموسيقا السوداء( موسيقا الفانك- والريذم أند بلوز) التي اعتبرت مصدر إلهام في تطوير الهيب هوب واحتوى في بدايته مجموعة من العناصر:
1-"الراب " اللفظي الإيقاعي rapping ))،
2-"الديدجي" الرقص الحركي المعتمد على الموسيقا الالكترونية باستخدام أسطوانات وأجهزة الصوت في إنتاج الموسيقا،
3- "البريك دانس" Braek dancing، الذي يعتمد على الحركات السريعة والمرنة
4- "فن الجرافيتي" Graffiti Art الرسم على الجدران كوسيلة للتعبير عن الهوية والمقاومة. -5 بيت بوكس beatbox
من عناصر ثقافة الهيب هوب، وهو شكل من أشكال الإيقاع الصوتي الذي يعتمد بشكل رئيسي على إنتاج قرع الطبول والإيقاع والأصوات الموسيقية باستخدام فم واحد، الشفتين واللسان، والصوت، وأكثر من ذلك بكثير في بعض الأحيان. كما قد يتضمن أيضا الغناء والتقليد أحياناً، ومحاكاة العديد من الأدوات الموسيقية مثل البوق وكل شيء يمكن أن يخطر على بالك. يرتبط البيت بوكس مع ثقافة الهيب هوب على الرغم من أنها لا تقتصر على موسيقى "الهيب هوب"
إن هذه العناصر تداخلت بشكل طبيعي مع بعضها البعض، فشكلت ثقافة متكاملة هي الهيب هوب.
يتصرف مغنو الهيب هوب بحرية ويعبرون عن تجاربهم الحياتية، وقد يتناولون مواضيع صعبة مثل الصراع والتمييز والبحث عن الهوية، ويمكن التعبير عن الرفض للمعايير الاجتماعية أو النقد للواقع المرير الذي يعيشه بعض الناس.
6-هجرة الهيب هوب إلى العالم العربي:
أشرنا فيما سبق إلى أن "الهيب هوب" ظهر نتيجة لمزيج من التحديات الاجتماعية والثقافية والتقنيات الموسيقية التي تفاعلت مع بعضها البعض في حي البرونكس ثم تطور ليصبح حركة ثقافية شاملة تضم جوانب متعددة من موسيقا ورقص وفن ولغة وتحمل في طياتها رسائل قوية عن الهوية والمقاومة والتغيير الاجتماعي. لكن السؤال المطروح هو هل من مقاربة سوسيولوجية لانتقال هذا الفن إلى العالم العربي وتبنيه من قبل شباب العرب رغم اختلاف السياق التاريخي والاجتماعي لظهوره في مجتمع أمريكا بكل تنوعاتها الإثنية والجغرافية .
دخل الهيب هوب إلى العالم العربي من خلال تأثير وسائل الإعلام والانترنيت ، بالإضافة إلى القواسم المشتركة في قضايا اجتماعية وسياسية بين العالم العربي والعالم الغربي ، ومع مرور الوقت بدأ الشباب العربي في تبني هذه الثقافة وتكييفها مع حياتهم وظروفهم الخاصة، ما جعلها تصبح جزءا من المشهد الموسيقي والثقافي في المنطقة، خاصة أن هذا الفن ظهر كحركة احتجاجية ضد الفقر والعنصرية والجريمة ، هذا التوجه كان متوافقا إلى حد ما مع بعض القضايا الاجتماعية في العالم العربي مثل الفساد، الظلم الاجتماعي ، القيود السياسية والفقر.
وكان الربيع العربي محفزا لدخول الهيب هوب في الثقافة السياسية للشباب، فرغم وجود العديد من القواسم المشتركة ذات البعد الكوني بين العالم العربي والغرب، إلا أن هناك اختلافات ثقافية ولغوية واضحة، ناهيك عن التحديات والرقابة في بعض البلدان العريية حيث واجه الهيب هوب تحديات تتعلق بالرقابة وحظر الأغاني التي تحمل رسائل سياسية قوية وتعبيرات عن الرفض الاجتماعي، باعتماده لغة شعبية أحيانا جريئة تضرب كل الطابوهات مما جعلها تستميل الشباب وتستقطبه.
خلاصة
إن الهيب هوب ليس مجرد غناء أو رقص بل هو ثقافة: ثقافة لباس، سلوك وقيم ، غالبا ما تبناه الجيل الصاعد الذي أغلقت في وجهه المؤسسات الفنية الرسمية وتراجع العمل الجمعوي التطوعي ليعبر عن همومه ومشاكله سعيا للتعبير عنها بكل حرية بشكل عفوي وتلقائي، لأن هذا الفن يسمح بذلك ، كما أن ممارسته تتم في فضاءات مفتوحة ومحجوزة من قبل فئة عمرية معينة طامحة للتغيير بعيدا عن الرسميات والبروتوكولات.
السؤال:
فهل إدراج هذا الفن في البرامج التعليمية المغربية قد يتماهى مع المنهاج التعليمي الذي يعتبر تحقيق الكفايات و التربية على القيم و التربية على الاختيار مداخل أساس العملية التعليمية التعلمية في جميع الأسلاك؟ سؤال تبقى الإجابة عليه من قبل المتخصصين في مجال علوم التربية بناء على الأهداف العامة التي تسعى المدرسة المغربية تحقيقها المتضمنة في المنهاج الدراسي لتكوين المتعلمين للقيام بدورهم في بناء مجتمع منفتح على الثقافة الكونية بوعي وفي الوقت نفسه لايفرط في قيمه الدينية والوطنية التي تشكل هويته .
المراجع:
- فن الهيب هوب من البرونكس إلى الشارع العربي، أنطوان جوكي- باريس، الجزيرة https://2u.pw/mvEO1.
- Chalut,ERIC : Le docu-clip de la Chanson Populaire Engagée nouveau Média Hybride entre creation artistique et reflexion scientifique, maitrise en communication, Université du QUÉBEC À Monteréal,2018. P5.
- Histoire du jazz : Ce qu’il faut savoir Blog pedagogique https://2u.pw/Aj6zg
- https://2u.pw/ADruR DOSSIER LACULTURE HIP HP
- عوالم الموسيقا مقدمة لمسيقا شعوب العالم، تحرير تود تيتون، ترجمة حسام الدين زكريا، المركز القومي للترجمة، ج1، القاهرة ،2018.
- HIP HOP. HAL OPEN SCIENCES HUMAINES ET SOCIALES
https://2u.pw/f0dRm
