عبد الحق الحاج خليفة
خلال العقود الثلاثة الأخيرة وفي سياق المحاولات المتكررة لإصلاح أعطاب الأداء التعليمي التربوي، تم توظيف ثلاث نظريات بيداغوجية على الأقل، إضافة للمحاولات المتكررة بخصوص إدماج التقنيات الحديثة في التعليم، خصصت لكل واحدة منها العديد من اللقاءات والندوات التوضيحية التي تروم بيان أهميتها ووجاهة اختيارها دون غيرها وتعداد مستويات نجاعتها التربوية ومردوديتها وصلاحية الأخذ بها كحل لمشكلاتنا التعليمية على مستوى أدائنا الديداكتيكي داخل فصولنا الدراسية في كل المستويات بدءا من رياض الأطفال داخل المدن ومرورا بمدارسنا العمومية والخصوصية الابتدائية والثانوية ووصولا إلى التعليم الجامعي. وقد لعبت هيأة الإشراف التربوي الدور الكبير بخصوص هذه المهام، إذ لم يدخر هؤلاء أي جهد في بذل كل ما في وسعهم للتفاعل مع كل نظرية من هذه النظريات وتوظيف ما يملكونه من قدرات ومعارف في إقناع الممارسين كل مرة بما تحمله النظرية الجديدة من إمكانات باهرة تفرض ضرورة الوعي بأهمية استيعابها واعتمادها بشكل صارم والتخلي عن كل ما يمكن أن يشكل تشويشا عليها جراء التشبت والاستمرارفي الأخذ بالنظرية السابقة، شعار هؤلاء المؤطرون التربويون هو: اللاحق ينسخ السابق وذلك دفاعا عن أطروحة صناع القرار التربوي الذين يشتغلون بكل ثقة فى أنفسهم ولسان حالهم يقول: "ما ننسخ من نظرية إلا ونأتي بخير منها " . وبالعودة إلى ما أسيل من مداد من أجل توضيح مزايا نظرية الأهداف، وما بذل من جهود للإقناع بقيمة بيداغوجيا الكفايات وما تم توفيره من إمكانات مادية باهظة لفائدة بيداغوجيا الإدماج وما تم تنظيمه بموازاة ذلك من لقاءات ومنتديات وأيام تكوينية موازية لتكوين الممارسين على التقنيات الحديثة استعدادا لمواكبة المستجدات التربوية التي تروم إدخال التكنولوجيا الحديثة إلى الميدان التربوي ، بالعودة إلى كل ذلك يمكن القول أن فشل المحاولات المتكررة بخصوص البحث عن النظرية الأكثر ملائمة لتدبير معضلات الأداء التربوي يعود أساسا إلى مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية يمكن من خلال هذا المقال تقديم مساهمة كوجهة نظر سبق تقديمها في سياق أيام تكوينية حول استعمال التكنولوجيا الحديثة ضمن الأداء التربوي. وتحديدا ضمن أحد البرامج التي سبق الرهان عليها لهذا الغرض وهو "برنامج جيني" الذي وقف في منتصف الطريق على الرغم مما أنفق عليه ضمن التكوينات التي عرفتها جل المؤسسات التعليمية للتمرن على استعمال التكنلوجيا الحديثة في أفق تحقيق جملة من الأهداف التي سطرها ميثاق التربية والتكوين، من قبيل تعميم الاستعمال البيداغوجي للتكنولوجيا الحديثة سعيا وراء تحقيق أحد أهم المبادئ التي قال بها الميثاق المذكور، وهو مبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين. ولعل أهمية نشر هذه المساهمة التي سبق تقديمها من طرف كاتب هذه السطور ضمن البرنامج التكويني المذكور، تكمن من جهة في التذكير بأن الانفتاح على التجارب التربوية لا يمكن أن يستقيم دون تهيئة التربة والمناخ الملائمين لاستنبات النظريات التربوية أو تبيئتها ، و في التذكير من جهة أخرى بضرورة الأخذ بعين الاعتبار لعوائق أجرأة بعض المبادئ الأساسية من قبيل: تكافؤ الفرص بين المتعلمين وخلال هذه الفترة الحاسمة حيث يتم حاليا صياغة جملة من المبادئ العامة أو ما سمي بالتقرير الاستراتيجي من طرف المجلس الأعلى للتربية والتكوين والذي لا محالة سيركز على هذا المبدأ الإنساني " تكافؤ الفرص" بنفس القوة والحماس الذي كان حاضرا في التقارير الإصلاحية السابقة.
أنطلق في بداية هذه المساهمة من طرح ثلاثة أسئلة أساسية يعتبر الجواب عليها مشروعا جماعيا يقتضي تضافر الجهود من قبل المعنيين، كل من موقعه قصد إيجاد المداخل الممكنة لأجرأة مقتضيات الاشتغال بالوسائط المتعددة المراد اعتمادها ضمن أدائنا التعليمي التربوي، وذلك في أفق الارتقاء بهذا الأداء إلى المستوى الذي يتيح لنا إمكانية تحقيق انتظاراتنا كمعلمين ومتعلمين.
السؤال الأول هو: لماذا التربية الفارقية ضمن برنامج تكويني حول إمكانيات إدخال التكنولوجيا الحديثة في التربية والتعليم؟وما هي العلاقة الموجودة بين الاتجاه الفارقي كاتجاه تربوي في إطار التربية الحديثة، وبين مشروع بناء المدرسة الجديدة التي تشكل تكنولوجيا التربية والتعليم أحد مقوماتها؟
السؤال الثاني هو: ما هي الكيفيات المفترضة التي من شأنها أن تساعد على استثمار التراكم والمكتسبات التي حققتها هذه التربية الفارقية من أجل دعم هذا البناء المشروع ، مشروع تأسيس المدرسة الجديدة من حيث عمليات الأجرأة لمقتضيات تكنولوجيا التربية والتعليم، وما هي الفرص المتاحة من أجل استدعاء التراكم الفارقي كإطار نظري وجعله قادرا على الإجابة عن الإشكالات والتساؤلات التي تقتضيها عمليات أجراة هذه التربية الحديثة واستنباتها في تربتنا التعليمية بكل ما يميزها من خصوصيات وما يتحكم فيها من إكراهات؟
السؤال الثالث وهو الأهم وهو: ماهي الصعوبات والعوائق لتي يمكن أنت تنتصب أمام عمليات تجنيس مقتضيات التربية على الوسائط المتعدده، وكيف يمكن تدبير هذه العوائق الذاتية منها والموضوعية ، سواء ما يتعلق منها بواقعنا التعليمي وما يعانيه من خصاص، أو ما يتعلق بواقع الذات عند المعلم والمتعلم وما تعانيه هذه الذات من خصاص كذلك على أكثر من صعيد؟.
السؤال الأول : قبل الإجابة عن السؤال لماذا الفارقية وما العلاقة بينها وبين تكنولوجيا التعليم لا بد من الإجابة عن السؤال، ما هي الفارقية؟ :
البيداغوجيا الفارقية هي البيداغوجيا التي تهتم بالفوارق الفردية ضمن سيرورة التعلم، وتعمل على تحقيق التعلم حسب تلك الفروق، وقد عرفها المربي الفرنسي" لوغران" بأنها طريقة تربوية تستخدم مجموعة من الوسائل التعليمية التعلمية قصد مساعدة الأطفال المختلفين في العمر والقدرات والسلوكات والمنتمين إلى فصل واحد على الوصول بطرق مختلفة إلى الأهداف نفسها" . وينبع التأطير النظري لهذه البيداغوجيا من منطلق أن الفروق الفردية هي فروق طبيعية، وتساعد على ردم الهوة بين المتعلمين ، وهي معنية بوضع هذه الفروق الفردية في حسبان العملية التعليمية التعلمية وفي إطار مراعاة إمكانيات كل متعلم على حدة. وبناء عليه يمكن القول أن التربية الفارقية وبالنظر إلى مرتكزاتها العلمية والفلسفية والنظرية قد تشكل الإطار النظري الذي تجد فيه تكنولوجيا التربية والتعليم موقعها، وبالنظر لما يميز هذه الأخيرة من خصائص وأساليب في العمل والتدبير والأداء والتعامل مع جماعة القسم وما تراهن عليه من غايات وأهداف تتمثل في الارتقاء بمستوى أدائنا التعليمي التربوي وإخراجه من واقع الممارسة التقليدية التي يهيمن فيها القرطاس والسبورة والقلم إلى ممارسة جديدة تتناغم والمستجدات الحديثة التي أفرزتها تحديات التطور التكنولوجي السريع، وما يمكن أن تساهم به في تجديد وسائلنا الديداكتيكية باستعمال الوسائل المتطورة من قبيل السبورة الالكترونية أو التفاعلية أو الكتاب الإلكتروني، ونكون بذلك في إطار عملية تفاعلية بين بيداعوجيا متقدمة ووسائل تعليمية متطورة.
أما على مستوى السؤال الثاني المتعلق بالصيغ والكيفيات الضامنة لأجرأة هادفة لمقتضيات هذه التكنولوجيا الحديثة وبالاعتماد على الإطار النظري الذي تستند إليه، يمكن القول من الناحية المبدئية أن ما حققه الاتجاه الفارقي من تراكم إن على المستوى النظري أو على مستوى الأداء والتدبيرقد يشكل الأرضية المناسبة والمناخ الملائم الذي يمكن أن تتم ضمنه عمليات إخصاب هذه التكنولوجيا الجديدة في الحقل التعليمي التربوي، وذلك بدءا من اعتماد مبدأ التعاقد بين كل من المعلم والتلميذ، ومرورا بتطوير العلاقة بين مختلف أقطاب العملية التربوية وبتحديد مختلف المهام المتصلة بالأطراف المتدخلة في العملية التربوية وبتنسيق الجهود بين هذه الأطراف: التلميذ/ المعلم/الولي/ المؤسسة...وبإعادة تنظيم العمل المدرسي: جماعي مجموعي فردي وبإعادة النظر في الطرق المعتمدة في التقييم وصولا إلى الأهداف القريبة كالحد من الهذر والفشل الدراسيين وتطوير مستوى المردودية و نوعية الإنتاج : المدرسة ، الكلية..أو الأهداف البعيدة ذات الطابع التربوي القيمي الاجتماعي من قبيل بناء شخصية المتعلم في جميع أبعادها المعرفية الوجدانية الاجتماعية وإكسابه قدرة أفضل على التكيف الاجتماعي والتفاعل الإيجابي مع المتغيرات وتطوير قدرة المتعلم على تحمل المسؤولية والاستقلالية والترشيد الذاتي.
أما بخصوص السؤال الثالث الأهم والمتعلق بمدى إمكانية التفعيل العملي الخلاق لهذه المكتسبات الخاصة بالنظرية الفارقية وجعلها في خدمة الأهداف المتوخاة من وراء تكنولوجيا التربية والتعليم، فتجدر الإشارة إلى أن ما يتضمنه هذا السؤال من ضرورة تشخيص الواقع الميداني الذي ينتظر أن تتم ضمنه عمليات تجنيس النظريات التي يتم اعتمادها في تدبير قضايا التربية والتكوين، ليس بغرض التهويل أو التيئيس، وإنما بغرض الإسهام في تشخيص الواقع التعليمي قصد الوعي بما يتحكم فيه من أعطاب مزمنة تحول دون الاستفادة من عمليات استعارة التجارب او الحلول(يتبع ) .