الأستاذ: الصالح أيت صالح
لا غرابة لمن تتبع أوضاع الواقع التعليمي بالمغرب بأن يصدر احكاما ضاربة في عمق العملية والوضع بشكل مؤلم جدا .سواء في البرامج او المناهج او الوسائل والتجهيزات او حتى المتمدرسين والمدرسين بشكل سواء ، فالكل ينبئ بالخطر .لنقف قليلا عند البرامج ،برنامج نظامنا التعليم هش جدا لم ينبني على اسس علمية سليمة تتبع مستوى المتمدرسين من التعليم الأولي إلى الجامعي . وتراعي خصوصيات كل مرحلة من مراحل العمر التي يمر فيها المتعلمين ،إذ نجد برامج لا تنسجم مع المرحلة العمرية ولا تنسجم مع المنطقة ولا تنسجم مع الظروف المعيشية والواقع الاجتماعي والعادات والتقاليد لمختلف المتعلمين. فكيف يمكن ان نسوي بين أبناء الجبال وابناء الفيلات، بين أبناء الشواطئ وأبناء الصحاري ،بين ابناء الحواضر وابناء القرى، بين من يملك ظروف التعليم وبين من يفتقر إلى ابسط ظروف العيش، بين من توفر له كل شيء وبين من يعاني من كل شيء، بين من همه الترف واللعب، وبين من همه الخبز والدقيق ، بين من همه التجوال والترحال وبين من همه فك العزلة ،وتحد قسوة البرد والثلوج .إن برامجنا متخلفة جدا تعاني من الهشاشة ومن الواقعية ،ولهذه الفروق كلها ينبغي لواضعي البرامج مراعاة لأحوال والظروف والواقع كم هو مقررفي ديننا الحنيف حيث تتبدل وتتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات والأشخاص ،وهذا معلوم عند الفقهاء .مما يدل على ان المشتغل بالبرامج يستوجب ان يكون خبيرا في الميدان ،فقيه في التعليم ليس كل من هب ودب يبرمج ويخطط دون فقه وتبصر .
إن العشرية التي مرت على نظامنا التعليم أبرزت بشكل جلي لا يدع مجالا للشك ،حيث إن البرامج لا تستجيب لطموحات المتعلمين ولا تنتج سوى ثقافة الاستهلاك لدى المدرسين، لا تترك لهم مجالا للحرية والإبداع والتعامل مع مختلف الوضعيات التعليمية التي يصادفونها اثناء مراحل إنجاز الفعل التعليمي التعلمي.
إذا كان هذا حال البرامج فالحديث عن الوسائل والتجهيزات أسوأ، وهذا لا ينطبق إلا على المغرب الحبيب العميق الذي يفتقر لأدنى شروط وظروف العملية التعليمية التعلمية ،لست ادري بما ابدأ به الحديث في هذا المجال بالبنايات ام بالكراسي العلمية ،في معاينة ميدانية لإحدى المدارس تبين بشكل ملفت للنظر ان الخطاب شيء والواقع شيء آخر، فرعية ابتدائية تفتقر وتعاني وتحتظر، اولا المكان الجغرافي الذي تتواجد فيه البعيد عن اعين الناس وفي منحدر خطير على التلاميذ ثم غياب النوافذ التي تحمي التلاميذ من قساوة البرد والثلج والرياح القوية .
إن الواقع التعليمي يستوجب على المتدخلين تأهيل البنايات والحجر المدرسية خصوصا في القرى والجبال التي تستلزم بشكل اكيد ذلك ،فكم من بناية خربت وهدمت ولا تصلح ان يذكر فيها التعليم ويدرس فيها ،وكم من زجاج ونوافذ كسرت ولم تجد من يصلحها . وكم من منطقة تلاميذها يدرسون في مرائب ومساجد .ثم ايضا يتعين توفير التجهيزات والوسائل بشكل يضمن السير العادي للعملية التعليمية التعلمية.
اما الحديث عن المتمدرسين فهو حديث عن العقليات والأسر والآباء والواقع والمحيط ،وكل هذه معطيات تصنع المتمدرسين بشكل إيجابي أو سلبي وتتحكم في مستواهم التعليمي ،يؤلمني جدا حين يصل التلميذ إلى المرحلة الإعدادية ولا يملك أي قدرة واي كفاية من الكفايات والقدرات الواجب والمفروض منه أن يمتلكها في المرحلة الابتدائية ، فالقدرة على التعبير والقراءة والكتابة والحساب كلها قدرات ينبغي ان يمتلكها المتعلم في هذه المرحلة ، لكن الواقع شيء غياب أي قدرة من هذه القدرات. فإذا طلبت من المتعلم المنحدر من القرى النائية والجبال العالية أن يقرا فإذا حرك لسانه فاحمد الله أما تنتظر القراءة السليمة فذلك بعيد المنال. أما عن الحساب فينبغي للمدرس أن يحسب له ألف حساب –كما يقول المثل الشعبي- وان يهدئ اعصابه ويكتم غيظه عما سيسمعه من جواب إذا أراد ان يسأل المتعلم. والغريب جدا المؤسف هو صعوبة الحوار والتواصل بين المتعلمين والمدرسين نتيجة اختلاف اللغات واللهجات فتلاميذ في المرحلة الإعدادية لا يعرفون الحديث بالعربية الدارجة فبالأحرى اللغة العربية الفصحى ،والأسوأ جدا هو كثرة الاكتظاظ والأقسام المشتركة ثلاث مستويات في حجرة واحدة.
إن الظروف التي تصنع المتعلم هي نفسها الظروف المتحكمة في مستوى المدرسين وفي أدائهم ومهامهم.فماذا تنتظر من المدرس الذي يعاني من أبسط الظروف النفسية التي تساعده على اداء مهامه على أحسن وجه، غياب السكن الوظيفي وغياب دور صالحة للكراء في الجبال والقرى .والعزلة عن العالم وبعد المسافة عن مراكز التسوق وقساوة البرد والثلج وحرارة الشمس وقوة الرياح وهزالة الأجرة وانعدام وسائل المواصلات والاتصال. فالمدرس يكون شغله الشاغل هو فك العزلة عنه ،إذ كيف يمكن العمل واداء المهام دون راحة نفسية وشعور بالكرامة.
إن أي إصلاح للتعليم ينطلق من صدق النوايا في الإصلاح فإذا صدقت النيات صلحت الأعمال .فينبغي لكل المتدخلين ان يجددوا نياتهم وان يصدقوا فيها كل من منطلقه، وان تتظافر الجهود وتتكاثف من اجل إنقاذ هذا الواقع المرير الذي وصل إليه التعليم .وان تراعى جميع الجوانب والمداخل المتحكمة في تعليمنا. واكيد بان الصدق هو الأساس من طرف كل معني بالأمر.