بقلم محسن زردان
يبدو أن القيمين على السياسة التعليمية في المغرب، أدركوا أهمية البعد الاقتصادي للمقاولة في خلق مناصب الشغل ومساهمتها الفعالة في إعطاء نفس كبير للنمو الاقتصادي، إذ ارتأت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني الشروع في التوسيع والتعميم التدريجي لبرامج الشراكة التي تجمعها مع جمعية إنجاز المغرب لتشمل جميع الأسلاك التعليمية بمختلف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، علما أن مرحلة التجريب الأولية ناهزت سبع سنوات وشملت ست أكاديميات.
لقد جاءت المراسلة الوزارية الصادرة تحت رقم 226/14 بتاريخ 10 دجنبر 2014، لتكشف في هذا الصدد عن بداية تفعيل هذه الشراكة، من خلال عرض مفصل للبرامج والأهداف، وكذا الإجراءات التنظيمية التي ستصاحبها.
الشيء الجدير ذكره، أن الوزارة الوصية لم تقدم أية تلميحات حول نتائج مرحلة التجريب الأولية التي أخذت حيزا زمنيا طويلا على ما يبدو يصل إلى سبع سنوات، غير أن ذلك لا يمنع من التأكيد على أهمية هذه الشراكة وأهدافها المعلنة، التي تصب في محور أساسي هو ربط النظام التربوي بالمحيط الاقتصادي.
نخاف أن يكون هذا المشروع الطموح في صورة مبادرة مكتملة الأهداف والرؤى والتصورات عند قراءة مضمونها، لكن مصيرها على الأرض، سيكون قدره كباقي مشاريع البرنامج الاستعجالي التي وفرت لها الدولة الإمكانيات المالية الكبيرة، لكن حالها ومآلها كان نصيبه الفشل.
تلوح في الأفق، قناعة متزايدة على أن التعليم المغربي في حاجة ماسة إلى الاشتغال على زرع قيم وثقافة المقاولة، والعمل باستراتيجية المشاريع الاقتصادية العملية النابعة من الواقع، فجحافل خريجي الجامعات و حاملي الشواهد يجدون أنفسهم تلقوا تكوينا غارقا في النظرية حتى التخمة، لا يؤهلهم إلى الاندماج في سوق الشغل، في حين أن الدولة لم تعد قادرة على التوظيف، بل تفكر في الحد منه بالتدريج، إن لم نقل تسليم مفاتيح الخدمات العمومية إلى القطاع الخاص في وقت لاحق إسوة بالاقتصاديات الليبرالية.
على ضوء ذلك، هل نتحدث عن بداية انتصار للقيم الاقتصادية وللفكر المركنتيلي وللوازع البراغماتي، حيث سيصبح التعليم أولا وأخيرا في خدمة الاقتصاد، في حين أن باقي المكونات الثقافية والفكرية والدينية ستصبح مجرد مكونات هامشية، علما أن فقه الواقع يستدعي تسخير كل الإمكانات لمواجهة آفة العالم الكبرى وهي البطالة، فمعادلة التشغيل ونسبة البطالة، غدت عاملا حاسما في السياسات العمومية حتى أن منصب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية متوقف بشكل مباشر بمعدل البطالة.
لا محالة أن تنزيل هذا المشروع يبقى من أكبر التحديات التي يمكن مواجهتها، خصوصا وأن أسئلة عديدة تطرح حول طبيعة البنية الثقافية للمجتمع المغربي، التي مازالت بيئة تقليدية في مجملها غير مؤهلة بعد لاستقبال فكر وثقافة تتغيا المبادرة والابداع والريادة والقدرة على التواصل خصوصا في العالم القروي.
لم نفهم إلى حدود الساعة ماهي المنطلقات والدوافع التي جعلت المسؤولين على التعليم يستهدفون بداية الأسلاك التعليمية الثلاث (الابتدائي، الاعدادي، الثانوي)، في حين أن التعليم الجامعي هو الأجدر والأحرى بأن يستهدفه هذا المشروع نظرا لكونه أقرب بوابة لعالم الشغل، هل الأمر ينطوي على تغطية فشل حكومي ذريع في تشجيع الشباب على الانخراط في عالم المقاولة، خصوصا مع تسجيل نتائج جد هزيلة لمشروع مقاولتي الذي يروم دعما ماديا مباشرا للشباب في شراكة مع البنوك المغربية، أم أن المسألة أيسر من ذلك، وتقتضي فقط الانحياز إلى ما جاء ذكره من أهداف في نفس المراسلة الوزارية المذكورة، التي تسعى إلى تحسيس المتعلمين بأهمية المقاولة في النسيج الاقتصادي المحلي، وتعريفهم بالفاعلين والمتدخلين في إنشائها ومواكبة حاملي أفكار المشاريع من التلميذات والتلاميذ من أجل بلورتها إلى مشاريع حقيقية، وذلك بتخصيص حيز زمني للتلميذ (ة) داخل المؤسسة التعليمية للتربية على الثقافة المقاولاتية.
من جهة أخرى، ثقافة المقاولة وفكر المبادرة لصيق بشكل حيوي بمدى مواكبة المساطر الإدارية وتخفيف ترسانتها المعقدة ، مما يفرض على الإدارة المغربية إعادة النظر في استراتيجيتها لتحسين أدائها، حتى لا يجد المتعلم هوة بين ما يكتسبه في المدرسة حول شروط تأسيس المقاولة والواقع الذي يعلمه الجميع ميزته جرعات متفاوتة من الفساد والرشوة والمحسوبية والزبونية، مما يشعره بالإحباط وخيبة الأمل.
المقاولة إذن تدق أبواب مؤسساتنا التعليمية، والأكاديميات والنيابات مطالبة بتنزيل مقتضيات هذا المشروع، وستطرح تحديات كبيرة على مستوى الموارد البشرية المؤهلة بإنجاحه، خصوصا عندما نتحدث عن حلقة الهيئة التربوية، لأنه كما يقال مهما كانت نوعية وجودة المناهج الدراسية ووفرة التقنيات التربوية، ومهما بنيت من خطط واستراتيجيات، يبقى نجاحها مرهون بيد الأستاذ. لذلك، فالاهتمام بتأهيله وتدريبه يُعتبر من ضروريات نجاح أي مشروع تربوي.