بقلم الأستاذ: الشهيد العلوي
عادة ما يتم ربط أزمة المدرس، في الدول التي لا يحظى فيها التعليم بالاهتمام والتقدير، بظروفه المهنية : الاكتظاظ، رداءة فضاء الاشتغال، ضعف التحفيز... أو بظروفه الاقتصادية التي تزداد تأزما بالنظر إلى تصاعد الإيقاعات المادية للحياة اليومية. هذه الأزمة الظاهرة تخفي وراءها أزمة خفية، هادئة، قلما يتم التركيز عليها، وهي ليست أقل حدة من الأزمة الظاهرة. إنها أزمة جدلية ترتبط بمختلف الصراعات و التناقضات التي تضع فيها المهنة المدرس.
إن استنطاق هذه الأزمة يتطلب منا الكشف عن التناقضات و التصدعات التي تحدثها المهنة على مستوى الرغبة والوعي. وذلك بالوقوف على بعض الصراعات الخفية التي تعكس معاناة المدرس الهادئة والمؤلمة في نفس الوقت.
من المعلوم أن جلب الاهتمام يعد مقوما أساسيا للعملية التعليمية، فمن خلال وعيه المهني يعرف المدرس جيدا الأهمية البيداغوجية لهذا الفعل، لذلك يسعى جاهدا إلى اقتناص ذات المتعلم بتوجيه وعيه إلى ما يقوم به، و تحريض الرغبة في التعلم لديه، وهو ما يدل أيضا على رغبة المدرس في التعليم. لكن إذا وضعنا هذا الفعل تحت المجهر النفسي سنجد أن هناك جدلا رغباتيا قويا يغلي بدواخل المدرس. ذلك انه في الوقت الذي يعلن فيه المدرس من خلال هذا الفعل عن رغبته في التدريس، يجعل المتعلم يشعر بالخصاص والحاجة إلى التعلم بما هي حاجة أيضا إلى المدرس. إنها رغبة في وضع المتعلم موضع اللاتعلم؛ أو بالأحرى رغبة في البقاء؛لأن إشباع حاجات المتعلم في التعلم يعني انتهاء حاجته إلى التعليم ومنه إلى المعلم. أليس التعليم إذن، عملية انتحارية يريد منها المدرس الحفاظ على بقائه؟ ألا يعني هذا تواجدا للمدرس بين الحياة و الموت؟
إلى جانب ذلك، غالبا ما نجد المدرس يربط رغبته في التدريس بمبررات أخلاقية نبيلة: محاربة الجهل، نشر العلم، أداء الرسالة التربوية، المساهمة في تنمية المجتمع... إنها رغبات قيمية تخرج من رحم الذات المهنية. غير أن ارتباط أغلب المدرسين بمهنتهم يعود لأسباب أخرى لا علاقة لها بما هو أخلاقي بل غالبا ما يكون لها ارتباط بطبيعة مسارهم الدراسي أو بصعوبات ولوج سوق الشغل أو بالبحت عن استقرار مادي... هكذا يكون الاختيار اضطراريا لأسباب موضوعية، تتعلق بالرغبة في الشغل، في الوظيفة، في الاستقرار الاجتماعي، في... لذلك يمكننا القول إن ذات المدرس تقتات على ما تفرزه ذاته المهنية من رغبات أخلاقية لتتحمل أعباء هذه المهنة و إكراهاتها، ولتتسامى على الدوافع الموضوعية من جهة أخرى. ألا يمكن القول أنه من الصعب الحديث عن رغبة أصيلة في التدريس؟ هل المدرس يدرس لأنه يرغب في التدريس أم انه يدرس لأنه لا يرغب فيه؟
جدل أخر تضع فيه المهنة رجل التعليمّ. إنه جدل يرتبط بطبيعة فعل التربية الذي يتطلب من جهة الالتزام بمبادئ منهجية صارمة لنقل قيم ومهارات، وترسيخ قدرات، و تنمية كفايات محددة. ومن جهة أخرى يتطلب نوعا من الاستقطاب و الإغراء و التحفيز من خلال مداعبة عاطفة المتعلم. فيجد المدرس نفسه مطالبا بعقلنة ممارساته مع ضرورة إرفاقها بالتحفيز، ما دام نجاح الفعل التعليمي متوقف على الجمع بين النقيضين العقلي و العاطفي. ألا يمكن القول أن المدرس شخص ماكر يغلف صرامة العقل بليونة العاطفة، يجعل كل الأحداث و الوقائع التي تصدر عن المتعلمين تندرج في خطته؟
يظهر مما سبق أن المدرس يكابد التقاطبات الخافتة التي تتجذر في طبيعة التدريس: التقاطب بين الحياة والموت|، بين الدوافع الأخلاقية و الدوافع الموضوعية، بين العقل و العاطفة. مكابدة تتطلب منه التمويه والتسامي والتنكر. باختصار شديد، تتطلب منه التوفيق قدر الإمكان بين التناقضات التي يعيشها في مهنته. ليجد نفسه مضطرا إلى مسرحة أقواله و أفعاله و حركاته. أليس التعليم إذن فعلا تراجيديا لا يمكنه الاستغناء عن الأقنعة؟