حتى لا ننعت بالتحيّز إلى فئة رجال و نساء التعليم، و حتى لا تسري علينا مقولة "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"، و هي المقولة التي ما فتأت بعض الدعوات الفيسيوكية للمشتغلين بقطاع التعليم تطالب بتجسيدها على إثر الإجراءات الأخيرة للوزارة للحد من ظاهرة الساعات الخصوصية. حتى لا يكون كلّ هذا، سنبدأ من حيث بدأ الوزير بلمختار في "تشخيصه" لواقع التعليم بالمغرب، لكننا سنقرّ بأكثر من ذلك حتى لا نعود في كل مرة لنفض الغبار عن ظاهرة من الظواهر المزمنة في القطاع و الإمساك بها إمساك الجائع على فطيرة بعد عناء و الصراخ "أوريكا..أوريكا" و كأننا أعدنا اكتشاف قانون أرخميدس مرة ثانية.
السيد الوزير.. واقع التعليم متعفن لدرجة لا يمكنك معها الاقتراب بأنفك أكثر مما فعلت، فوقفت عند حد الساعات الخصوصية، و مستوى الأساتذة و الأستاذات، و عدم قدرة التلاميذ على الكتابة. ففضلا عن ذلك أهمس في أذنك لأقول لك أنّ عددا لا بأس يه من المشتغلين بالقطاع لا ينظرون إلى عملهم إلا كمصدر للقمة العيش و هم بذلك يتبنون عمليا مقولة " أنا أنا و من بعدي الطوفان". وما الذي يهم بعد مغادرة الفصل من أن يكون التلميذ قد تلقى تربية أو تعليما، فهذا الأخير يبقى في نظر العديد غير قابل مبدئيا لذلك !!
في قطاعنا، السيد الوزير..
لا يتحرج البعض من الاعتراف بكونه لم يقرأ كتابا في حياته غير ما فُرض عليه في فترة الدراسة !! علما أننا نعرف أن أبسط حرفي يعمل على تطوير قدراته في مجال اشتغاله، ناهيك عن التلميذ الذي تريدون منه سيادتكم أن يقرأ و يكتب.
في قطاعنا، يمكنك أن تقف على جميع أشكال التنكيل بالمتعلمين بدء من السب و الشتم وصولا إلى الركل و الرفس. كما يمكنك أن تقف على نفس الممارسات و هي موجهة نحو الأستاذ، إذا أضفنا لها، حيث يتعلق الأمر بهذا الأخير، أشكال الحطّ من شأنه و تشويه لصورته، و التي تتم بمباركة رسمية.
في قطاعنا يصل الأستاذ مبكرا إلى ما سيكون عليه في مساره المهني، حيث أن اجتياز الامتحان المهني يتم يعتبر عبورا لبر الأمان.
في قطاعنا يجزل الأستاذ في ذم الغش أمام تلامذته بينما تجده في الامتحان المهني يبرع في أساليبه دون أن يطرف له جفن، حيث يصبح في هذه الحالة حقّا ثابتا !!
كل ما قيل و لم يُقل يحقّ لنا كأساتذة في القطاع أن نرى فيه أحد أوجه الأزمة التعليمية إعمالا لمبدأ صلاح الذات أولا، و هو ما لا يحق لك السيد الوزير.. فيغدو على لسانك ما قلناه باطلا.
إن موقع المسؤولية الذي تشغلونه يفرض على سيادتكم تناول الأمور من زاوية أشمل تتيح وضع كل ما قيل عن الأسرة التعليمية في سياقه كنتيجة و ليس كسبب.
فبدل قولكم بتدني مستوى المشتغلين بالقطاع ينبغي أن تتساءلوا عن الجهة التي تسهر على تكوينهم، و عن الجهة التي تتفنن في وضع العراقيل أمام الأستاذ(ة) لصدّه عن استكمال دراسته(ها) بمبرر عدم الإضرار بمصلحة التلميذ !! فهل تكمن مصلحة التلميذ في تطوير الأطر التربوية لمؤهلاتها أم في اكتفاءها ببعض المعارف التي يتساوى فيها التلميذ مع الأستاذ، حيث يصبح حضور الأخير كغيابه.
و بدل النبش في سلوكات نجدها متجذّرة في المجتمع بأكمله ينبغي أن تطرحوا السؤال عن الجهد الذي بُذل في اتجاه "تقديس" المعرفة و مؤسساتها..
و بدل الإطناب في الحديث عن العنف المدرسي ينبغي العمل على تحويل المدرسة إلى مكان مرغوب فيه يؤسس لقيم كونية، و ليس فضاء لتفريخ العداء و الرفض للآخر على اعتبارات مختلفة.
و بدل الإجراءات الإصلاحية الفوقية المنتهية الصلاحية ينبغي إعمال آلية تشاورية حقيقية تأخذ برأي أوسع الفئات المعنية بالقطاع و ليس مجرد مشاورات شكلية الغرض منها تقاسم مسؤولية الفشل المتوقع لل"إصلاح" المنتظر.
و بدل الدوران في حلقة مفرغة تسير فيها كل حركة في تقدّمها نحو نقطة البداية ينبغي طرح السؤال و بكل جرأة "ما الذي نريده من التعليم؟"، و هو السؤال الذي تتحاشون الإجابة عليه، و إن فعلتم فبلفّ و دوران يعكسه بعد الكلام عن الفعل.
عموما لا يمكن إرجاع كلامكم، السيد الوزير، إلى عدم دراية كافية كما يحلو للبعض أن يصف ذلك، بل الأكيد أنك تعلم جيدا من أين تؤكل الكتف و إلا ما كنت لتوجّه سهامك صوب رجال و نساء التعليم و تحميلهم وزر الأزمة "التعليمية/ الاجتماعية".
الكاتب: أمين جبار
أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي