بقلم مصطفى مزياني // أستاذ التعليم الابتدائي
في إطار الأنشطة المتنوعة المبرمجة من طرف « منتدى القراءة و البحث العلمي » بمدينة أرفود ، نظم هذا الأخير أمسية ثقافية يوم السبت 28 دجنبر 2014 بدار الشباب، شملت عرض شريط فيديو حول أهمية الكتب و القراءة الموسوم ب The flying books»»، وتقديم ربورطاج رصد واقع القراءة بالمدينة، أنجزته ثلة من التلاميذ و التلميذات المنخرطين بالنادي. تلى النشاطين كل على حدة، فتح المجال للنقاش و الحوار حول واقع الكتاب و القراءة في زمن يشهد تحولات عميقة و سريعة على أكثر من مجال.
و المساهمة التي أقدمها هنا، هي عبارة عن ورقة مركزة تقدمت بها في مداخلتي حول شريط الفيديو الذي تابعناه خلال الأمسية. ومحتوى الورقة هو كالآتي:
إن أول ما نسلجه من خلال متابعتنا لهذا الشريط الكارتوني هو المستوى التقني الجيد في إخراج فكرة مبدعة، متنها يحوم حول إبراز أهمية الكتاب في حياة الإنسان من مهده إلى لحده.
الشريط كما شاهدناه لا يشتمل أي تعليق أو حوار شفهي أو كتابي، ورغم ذلك فهو ثري بالمعاني و الرموز و الدلالات المعبرة عن قيمة و مكانة الكتاب. ولعل هذا ما يحذو بنا إلى القول بأن قراءاتنا لهذا الشريط ستختلف حتما من شخص لآخر، دون حاجة إلى فتح المجال لنقاشات أو سجالات حول مضامين القراءات و اتجاهاتها المختلفة و المتنوعة.
بداية الشريط تعلن هبوب ريح صرصار عاتية أتت على كل شيء بما فيه كتب الشاب الذي كان منهمكا حينها في القراءة على شرفة فندق ، ليعيش هذا الأخير بعد وقوف الرياح حالة مزرية إثر فقدان أعز ما يملكه. إن دلالة هذا الحدث تكمن في التمثيل لهوائل الدنيا و مصائبها، و إحباطاتها و مطباتها. الأمر الذي يجعل الكتاب يبتعد عنا أو بالأحرى ما يجعلنا نبتعد عنه.
إن الفتاة الجميلة التي كانت تسمو في الآفاق بفضل قوة الكتب الرافعة، هي التي كانت السبب في مد الشاب القارىء بكتاب سيكون دافعا لبداية حياة جديدة له. وسيدخله هذا الكتاب مدن الأفراح. سيدخله مملكة الكتب، بطقوسها و عاداتها، بأفراحها و حبورها، بأغانيها و رقصاتها.
سيعيش الشاب بين أحضان الكتب ليستلهم منها كل معاني الحياة، وليلج كنهها و مغزاها. سيقيم علاقة أسرية حميمة معها، ويقلق لما يصيبها من غدر الزمن و ملابساته. حتى إنه باشر عملية جراحية معقدة لأحد الكتب التي تناثرت صفحاته إثر سقوطه من أعلى الرف، عملية جراحية كللت بالنجاح.
ومن معاني الحياة التي يمكن أن نستلهمها من هذه القصة الجميلة، هي أن الإنسان ليس بمستطاعه أن يدرك كنوز الكتب كلها، فالحياة التي نعيشها لا تكفي سوى للاستفادة من النذر القليل من هذه الكنوز. فقد نعيش حياتين أو ثلاثة أو حتى أربعة، و نخصص الوقت كله للمطالعة و القراءة، دون أن نلم بجميع محتويات الكتب ومضامينها.
إن الكتاب الذي أدخل بطل القصة إلى جنة المعرفة و العلم، سيجعل هذا البطل يوزع الكتب على أناس آخرين، ليبعث فيهم طاقة الحياة بألوانها الزاهية و المثيرة. إنه يقوم بدوره الإنساني و التاريخي في إبقاء الكتب حية ترزق مع توالي الأجيال و السنون.
وما دمنا سنغادر و ننسحب مهما طال المقام، فعلينا أن نفعل ذلك بعزة ومجد الأبطال، و هذا بالتأكيد هو حال بطل قصتنا العجيبة . ستقيم له الكتب وداعا يليق بمقامه و شرفه، و ستذرف دموعا لفراقه. ولكن رغم رهبة و قساوة اللحظة، فإن وقعها هين ما دمنا رسمنا ذكريات جميلة على لوحة الزمن الزئبقي، وما دمنا أيضا سنضمن استمرارية الاهتمام بالكتب و قرائتها و الغرف من نبعها.
سيسمو بطلنا في سماء الكتب و المعرفة، و سيهدي كتابا لفتاة في مقتبل العمر، لتؤدي دورها هي أيضا في العناية بالكتب والاستفادة منها، لتكون خير خلف لخير سلف.